دراسة أكاديمية تؤكد أهمية إعادة تمكين العلوم الإنسانية في التعليم العالي العُماني

مسقط في 18 يناير 2026 /العُمانية/دعت دراسة علمية حديثة إلى إعادة الاعتبار للعلوم الإنسانية في منظومة التعليم العالي بسلطنة عُمان، بوصفها عنصرًا محوريًا في بناء اقتصاد معرفي متوازن ومستدام، يضع الإنسان والقيم والهوية في صميم مسارات التنمية.
وأكّد الباحثان الدكتورة مريم بنت علي الهنائية، أستاذة التواصل بين الثقافات، والأستاذ الدكتور محمد بن علي البلوشي، أستاذ الآثار ودراسات التراث بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية في جامعة السلطان قابوس، في دراستهما المنشورة بمجلة Journal of Arabian Studies تحت عنوان «إعادة تخيّل اقتصاد المعرفة: دعوة نقدية لإعادة تمركز العلوم الإنسانية في التعليم العالي العُماني»، أن الخطابات السائدة حول اقتصاد المعرفة غالبًا ما تحصر مفاهيم التقدم والابتكار في الجوانب العلمية والتقنية، متجاهلة الدور الجوهري للعلوم الإنسانية والاجتماعية في تنمية التفكير النقدي، وترسيخ القيم الأخلاقية، وتعزيز الهوية الثقافية.
وسلّطت الدراسة الضوء على وجود فجوة بين التوجهات الاستراتيجية الوطنية، كما وردت في رؤية عُمان 2040 والاستراتيجية الثقافية 2021–2040، التي تؤكد مركزية الهوية والثقافة والإبداع، وبين الممارسات الفعلية في مؤسسات التعليم العالي، التي تميل إلى إعطاء أولوية أكبر للتخصصات العلمية والتقنية والتجارية.
وبيّنت الدراسة، استنادًا إلى تحليل بيانات توزيع أعضاء هيئة التدريس وأنماط التحاق الطلبة داخل سلطنة عُمان وخارجها، أن العلوم الإنسانية لا تزال تحافظ على حضور ملموس، لا سيما في مجالات التعليم والمجتمع والثقافة، إلا أن هذا الحضور يشهد تراجعًا تدريجيًا مقارنة بالتخصصات الهندسية والتقنية، وبشكل أوضح بين الطلبة المبتعثين للدراسة في الخارج.
وأكّد الباحثان أن إعادة تمركز العلوم الإنسانية لا تُعد ترفًا أكاديميًا، بل ضرورة استراتيجية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وبناء مواطن واعٍ ومبدع، وضمان انسجام التقدم العلمي والتقني مع القيم الاجتماعية والأخلاقية. ودعت الدراسة إلى تبنّي سياسات تعليمية وبحثية تعزّز التكامل بين العلوم الإنسانية والتخصصات العلمية، عبر تطوير مناهج متعددة التخصصات، وتوفير دعم مؤسسي وبحثي، وإدماج العلوم الإنسانية ضمن منظومات الابتكار الوطنية.
واختتمت الدراسة بالتأكيد على أن الاستثمار في العلوم الإنسانية يسهم في إعداد أجيال تجمع بين الكفاءة التقنية والوعي الثقافي والأخلاقي، بما يعزّز مسار التنمية الشاملة والمتوازنة في سلطنة عُمان.
وقالت الدكتورة مريم بنت علي الهنائية لوكالة الأنباء العُمانية إن هذا البحث يأتي ضمن مشروع فكري ممتد بدأ منذ عام 2022 في إطار منحة بحثية، ويهدف إلى إعادة التفكير في موقع العلوم الإنسانية ومنظومة إنتاج المعرفة في مؤسسات التعليم العالي العُماني. وأوضحت أن المشروع ينطلق من نقد منهجي للنيوليبرالية التي أعادت تعريف التعليم كأداة اقتصادية بحتة، تُقاس قيمة المعرفة فيها بجدواها الربحية، على حساب دورها في بناء الإنسان والمجتمع.
وأضافت أن التجربة الأكاديمية كشفت عن مفارقة واضحة بين ما تؤكده رؤية عُمان 2040 من مركزية الهوية والقيم وبناء الإنسان، وبين الممارسات التعليمية التي ترجّح التخصصات التقنية وفق منطق السوق، ما يستدعي مساءلة فلسفة التعليم ودوره في ترسيخ الوعي النقدي والانتماء الثقافي والمسؤولية المعرفية.
من جانبه، أكّد الأستاذ الدكتور محمد بن علي البلوشي أن هيمنة العلوم التقنية التطبيقية في التعليم العالي وصنع السياسات التنموية تنطوي على تحوّل عميق في طريقة إدراك الإنسان للثقافة والتراث، حيث تُختزل الظواهر الثقافية في أبعادها الوظيفية أو الاقتصادية، بمعزل عن سياقاتها التاريخية والرمزية والاجتماعية.
وأوضح أن تهميش العلوم الإنسانية يؤدي إلى إفراغ الثقافة من بعدها الإنساني وتحويلها إلى منتج تقني صامت، في حين تسهم هذه العلوم في إعادة الإنسان إلى مركز العملية المعرفية، وتعزيز القدرة على الفهم والتأويل وربط التنمية بالمعنى والذاكرة والهوية.
وأشار إلى أن رؤية عُمان 2040 والاستراتيجية الثقافية تؤكدان مركزية الهوية والتراث في التنمية المستدامة، وهو ما يجعل دمج العلوم الإنسانية في التعليم العالي ضرورة معرفية وتنموية، لا خيارًا ثقافيًا. وأضاف أن التحدي في ظل التحولات الرقمية المتسارعة لا يكمن في امتلاك التكنولوجيا، بل في توجيهها أخلاقيًا وثقافيًا، وهو دور جوهري تؤديه العلوم الإنسانية.
وأكّد أن إعادة الاعتبار للعلوم الإنسانية لا تعني معاداة التكنولوجيا، بل تمثل شرطًا أساسًا لبناء مجتمع حديث ومتوازن، يضع الإنسان وقيمه وذاكرته وهويته في قلب مشروع التنمية المستدامة في سلطنة عُمان.





