الاستخدام الواعي والمتوازن للتقنية لدى الشباب… ركيزة أساسية في عصر التحوّل الرقمي

مسقط في 20 يناير 2026 /العُمانية/في ظل التسارع المتنامي للتحوّل الرقمي عالميًا، باتت التقنيات الحديثة جزءًا أصيلًا من الحياة اليومية للشباب، وأداة محورية في التعليم والعمل والتواصل الاجتماعي. ومع هذا الحضور الواسع، تبرز الحاجة الملحّة إلى ترسيخ ثقافة الاستخدام الواعي والمتوازن للتقنية، بما يضمن تعظيم فوائدها والحد من آثارها السلبية على الصحة النفسية والاجتماعية وجودة الحياة.

ويُعد الوعي الرقمي اليوم ضرورة وطنية تمس مستقبل الأجيال، إذ يتطلب بناء ثقافة رقمية متزنة تقوم على الانضباط والوعي والمشاركة الفاعلة، بما يعزز دور الشباب كمواطنين رقميين مسؤولين يسهمون في بناء مجتمع معرفي مستدام.

وفي هذا الإطار، أوضح الخبير التقني الدكتور صالح بن عبيد الخالدي أن التحدي الحقيقي لم يعد يتمثل في الوصول إلى التقنية أو المحتوى الرقمي، بل في كيفية توظيفه بوعي وهدف. وأكد أن الانتقال من دور “المستهلك الرقمي” إلى “المستخدم المنتج” يستلزم تغييرًا في الذهنية، بحيث يصبح استخدام التقنية وسيلة لإضافة قيمة معرفية أو مهنية، لا مجرد استهلاك عابر.

وبيّن أن تحديد أهداف رقمية واضحة يُعد من أبرز الممارسات الإيجابية، حيث يسهم ربط استخدام التقنية بأهداف تعليمية أو مهنية في تحويل الوقت الرقمي إلى قيمة حقيقية. كما شدد على أهمية انتقال الشباب من التلقي إلى المشاركة، عبر إنتاج محتوى هادف أو الانخراط في مجتمعات معرفية رقمية، بما يعزز حس المسؤولية الرقمية وينمّي التفكير النقدي.

وأشار الخالدي إلى أن إدارة الوقت الرقمي تمثل عنصرًا أساسيًا في الاستخدام المتوازن، من خلال التخطيط المسبق، وتحديد الأولويات، والفصل بين الاستخدام الوظيفي والترفيهي، والاستفادة من أدوات تنظيم الوقت وضبط الإشعارات، إلى جانب تخصيص فترات للابتعاد عن الشاشات، مؤكدًا أن معيار الاستخدام الإيجابي لا يقاس بعدد الساعات، بل بالأثر المعرفي والإنتاجي المتحقق.

من جانبه، تناول الدكتور عبد الناصر الصايغ، المتخصص في التنمية البشرية والنهج السلوكي، دور الأسرة والمجتمع في تحقيق التوازن بين الواقع الحقيقي والعالم الافتراضي، مؤكدًا أن التقنية بحد ذاتها ليست مشكلة، بل تكمن التحديات في كيفية التعامل معها. وأوضح أن الانجذاب المتزايد للعالم الافتراضي يعود لما يقدمه من متعة وسهولة وإشباع سريع، مقارنة بما يفرضه الواقع الحقيقي من ضوابط اجتماعية.

وأكد أن المنع المطلق لا يُعد حلًا فاعلًا، داعيًا إلى تنويع الأساليب التربوية وفق طبيعة الأفراد، واعتماد الحوار والتوجيه والتقبّل الجزئي للمحتوى الإيجابي، مع فرض ضوابط على المحتوى السلبي. كما أشار إلى أهمية دور الأسرة في توجيه الأبناء نحو التفكير النقدي، من خلال النقاش والحوار، وربط ما يُطرح رقميًا بالقيم الدينية والاجتماعية.

وأشار الصايغ إلى أن التحدي الأكبر يتمثل في ضعف الجهود المبذولة لتفعيل الواقع الحقيقي مقارنة بزخم الاستثمار في الواقع الافتراضي، ما يستدعي تكامل الجهود المؤسسية لإيجاد مساحات واقعية فاعلة وجاذبة تعزز التفاعل الإنساني المباشر.

بدوره، تطرق الدكتور يوسف بن محمد العطار، الاستشاري التربوي والنفسي والأسري، إلى ما وصفه بـ “العزلة الرقمية”، موضحًا أن الانغماس المفرط في الشاشات أسهم في تراجع النشاط البدني وارتفاع مستويات القلق والتوتر بين الشباب. وأكد أن الحل لا يكمن في محاربة التقنية، بل في تبني استراتيجيات تعليمية واجتماعية تفاعلية تعيد التوازن بين الواقعين الافتراضي والحقيقي.

وشدد على أهمية تعزيز الأنشطة البدنية واللقاءات الاجتماعية المباشرة، بوصفها استثمارًا في الإنسان، داعيًا إلى تطوير مرافق وبرامج شبابية قائمة على “المنافسة الابتكارية” التي تمنح الشباب شعورًا بالإنجاز والتقدير بعيدًا عن الاعتماد المفرط على العالم الافتراضي.

من جانبه، أكد الخبير والمبرمج الرقمي أحمد بن مسلم المفرجي أن الوعي الرقمي المتوازن أصبح مهارة حياتية أساسية لا تقل أهمية عن المهارات الأكاديمية، في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي. وأشار إلى مفهوم “الأمية الرقمية” كما عرّفته اليونسكو، موضحًا أن عدم القدرة على فهم وإدارة وتقييم المحتوى الرقمي يُعد تحديًا حقيقيًا في سوق العمل والتعليم.

وأوضح أن الذكاء الاصطناعي بات عنصرًا محوريًا في مجالات التعليم والتوظيف والتواصل الاجتماعي، مؤكدًا في الوقت ذاته ضرورة التحصين ضد الاستخدامات السلبية لهذه التقنيات. ودعا إلى نشر السياسات والأخلاقيات المنظمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وإدراجها ضمن المناهج التعليمية، إلى جانب تطوير منصات وطنية للتحقق من المحتوى الرقمي، وتعزيز مهارات التفكير النقدي لدى الطلبة في مختلف المراحل الدراسية.

وأكد المختصون في ختام آرائهم أن الاستخدام الواعي والمتوازن للتقنية لا يعني التقليل منها، بل حسن توجيهها، بما يجعلها أداة فاعلة للإنتاج والمعرفة وبناء الإنسان، وركيزة أساسية لمستقبل رقمي متوازن ومستدام.

مجلة “الواحة العُمانية” تُصدر عددًا خاصًا بمناسبة الذكرى السادسة لتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم
زر الذهاب إلى الأعلى