طال التّرَقُّبُ

شعر : حمد الراشدي

طالَ التَّرَقُبُ للرِّسالةِ مَوْعِدا

رُجِيَتْ مَلاذًا فالزَّمانُ تَجَعَّدا

كُلُّ الشّنائنِ بالمحاسِنِ بُدِّلَتْ

وضُحى المَكارمِ بالمَظالمِ سُوِّدا

غَدَتِ الفضيلةُ في النفوسِ تَخفّيًا

أمّا الرّذيلةُ مَظْهَرًا مُتَسَيِّدا

ناءٍ ودانٍ ما اسْتَقَرَّ هِدايةً

إلاّ على نُصُبٍ تُقامُ تَعَبُّدا

وجنى الكبيرُ على الصغيرِ تَسلُّطًا

والعَدْلُ تَحْتَ التُّرْبِ صارَ مُمَدَّدا

وهَوَى القَوىُّ على الضَعيفِ بِنابِهِ

هَوْيَ السِّباعِ على الأرانبِ فُرَّدا

عَرَبُ الجزيرةِ في النِّياقِ تَقاتلوا

عُصَبًا غَدَوْا لا يَعرفونَ تَوَحُّدا

يُتَقاذَفونَ كما الكُراتِ تُبُودِلوا

بينَ الطّغاةِ تَرَكُّلًا وتَرَدُّدا

في الشَّرقِ كِسْرى قد تَضَرَّمَ مَوْقِدًا

ولَظى القياصرِ في الشَّمالِ تَوَقَّدا

طُلِبَ الخلاصُ بأنْ تُرىٰ قِطَعُ الدُّجىٰ

طُوِيَتْ غَياهِبُها وَوَلَّتْ مَشْهدا

بُعِثَ الرّسولُ لها الفَضائلُ هاديًا

نورٌ تَسَنَّى لِلْجهالةِ بَدَّدا

وأتى النَّبيُّ مُؤَيَّدًا مِنْ رَبِّهِ

نِعْمَ المُحَمَّدُ لِلْهِدايةِ أرْشَدا

نُسِفَتْ بِمَقْدَمِهِ الضّلالةُ مَحْفَلًا

وعلا دُعا التّوحيدِ ، نُوديَ فاشْهَدا

لمْ تَبْقَ للشِّركِ البَغيضِ دَعامةٌ

هُدّ اجْتِثاثًا واللّبيبُ قَدِ اهْتَدى

هَدَأتْ نُفوسُ الأَرضِ خُصَّتْ مَوْطِنًا

للْحَقِّ في لَوْحِ السَّماءِ تَخَلَّدا

جِبْريلُ حامِلُهُ بَيانَ رِسالةٍ

فيهِ العُبورُ على الصّراطِ مُحَدَّدا

ولِمَنْ على خُلُقٍ عظيمٍ أُرْسِلَتْ

آياتُهُ تُتْلىٰ وتَمَّ مُجَوَّدا

دُسْتورُ دينٍ لِلأنامِ أثابَهُمْ

لَمّا اسْتجاروا والبَرِيَّةَ أسْعَدا

نَظَمَ الحياةَ على السّلامِ تَأسُّسًا

والعَدْلَ أوْثَقَهُ البيانَ وأكَدَّا

وأتى بِمُعْجِزَةِ الفصاحةِ حُجَّةً

والْعِلْمُ قد عَرفَ الطَريقَ مُمَهَّدا

سارَ الرسولُ لهُ البلاغُ مُداوِيًا

ومُؤسِّسًا ومُعَلِّمًا ومُجَدِّدا

أخَذَ الخِطابَ رَويَّةً وتَمَهُّلًا

حتى يُطاعَ اللهُ جَلّ ويُعْبَدا

نادى ودارى في الخلائقِ شَأْنَهُم

فهُوَ البَشيرُ إلى الجميعِ تَوَدَّدا

وإذا العُصاةُ تَساوَقوا في جَهْلِهِم

صَبَرَ ابْتِغاءً لِلْهدايةِ مَقْصَدا

لكنَّهُ للظُّلْمِ أعْلى صارِمًا

والغَدْرَ أرْكسَهُ دُحورًا أوْعَدا

ومَضى على نَهْجِ البناءِ لأُمَّةٍ

الحقُّ سُلْطانًا يكونُ ومَسْجِدا

وبهِ الرسالةُ قد تأتّى هَديُها

لِلدِّينِ والدُّنيا أقامتْ مَوْرِدا

حُفظَ القَوامُ صلابةً رَسختْ بها

كُلُّ الدّعائمِ والبِناءُ تَمَدَّدا

لِلعالَمينَ بدائمٍ مِنْ رَحْمةً

هَتَفوا إليه تَشَكُّرًا وتَحَمُّدا

والْمُسلمونَ تَعاضُدٌ لمْ يَنْكَسِرْ

رَفدوا الحضارةَ ما اسْتُنيرَ ومُجِّدا

حتّى إذا انْهَزموا تِجاهَ نُفُوسِهم

رأوِا الْأمارةَ أنْ تصيرَ تَقَلُّدا

وتَراجَعوا نَقضًا لِما قَدْ عاهَدوا

يَبْقَونَ طَوْدًا لا يُشابُ تَخَدُّدا

وتَنازعوا الأمْرَ اقْتِسامًا بائرًِا

ظَنُّوا التَّقاسُمَ مُرْبِحًا ومُسِدِّدا

تَرَكوا لِما اجْتَمعوا عليه بعِزّةً

بَلَغوا بها فوْقَ السّماءِ الفَرْقَدا (١)

عاد الأَعاربُ للتّفَرُّقِ دَأْبَهمْ

قَبْلَ الرّسالةِ وارْتَضوْه تَعَوُّدا

حتّى إذا ضَعَفوا وهِيضوا جانِبًا

ذاقوا الهزائمَ والأعادي صُعَّدا

عادَ الزَّمانُ بأهلِه وكأنَّهُ

كُتبَ الشتاتُ لجَمْعِهِم فتَسَرْمَدا

نَثَروا الدُّروسَ تساقطتْ أوراقُها

سَبَقَتْ خريفًا بالخِصامِ تَوَّلَدا

لاذوا كما لاذوا مِرارًا آنفًا

بِمُدى العَدُوِّ وإنْ عَليْهمْ عَرْبَدا (٢)

يا خيْرَ مَنْ زَكّى العِبادَ بدينِهِ

أدْعوه ربِّيْ أنْ تَقومَ مُجَدَّدا

فَتُعِيذَهُمْ باللهِ مِنْها غَفْلةٍ

سكَعوا بها عن كَلِّ وَحْشٍ رُقَّدا

يا سَيِّدي إنََ الوَرى في مَعْزَلٍ

عنْ ذا الذي أبْلَغْتَ دينًا أَحْمَدا

يا سيِّدي قُمْ ذا الزّمانَ تُلَطُّفًا

حتّى يَعودَ لِما جَمَعْتَ وشُرِّدا

يا سَيّدي فينا العِظامُ تَكَسَّرتْ

مَنْ ذا سَيَجْبُرُ غيْرُكَ ” أحْمَدا “

مجلة “الواحة العُمانية” تُصدر عددًا خاصًا بمناسبة الذكرى السادسة لتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم
زر الذهاب إلى الأعلى