القراءة.. رافعة وعيٍ ومعرفة تعزّز حضور الشباب في المجتمع

مسقط في 17 فبراير 2026 /العُمانية/ تظلّ القراءة المحرّك الأهم لتغذية العقل والروح، والنافذة التي يطلّ منها الإنسان على عوالم متعددة توسّع مداركه وتنمّي قدرته على التفكير والتحليل والنقد. وتتجلى أهميتها بصورة أكبر لدى فئة الشباب، بوصفهم ركيزة الحاضر وصنّاع المستقبل، إذ تسهم القراءة في بناء وعيهم بذواتهم وقضاياهم، وتمكّنهم من التفاعل الإيجابي مع التحولات الثقافية والعلمية المتسارعة.
ولا تقتصر آثار القراءة على تنمية المعرفة فحسب، بل تمنح الشباب خبرات إنسانية تتجاوز حدود الزمان والمكان، وتعزز فيهم قيم التسامح والانفتاح والحوار، بما ينعكس على سلوكهم الفردي والجماعي داخل المجتمع.

وقد أولت سلطنة عُمان اهتمامًا متناميًا بثقافة القراءة عبر مؤسساتها الرسمية، انطلاقًا من إيمانها بدورها في بناء الإنسان وتعزيز الوعي، وذلك من خلال دعم المبادرات الوطنية والمسابقات الثقافية والتعليمية، وتنفيذ برامج قرائية تستهدف تشجيع الشباب على طلب المعرفة، في إطار رؤية تنموية ثقافية مستدامة.
ومن أبرز هذه المبادرات «مسابقة القراءة الوطنية» التي تنفذها وزارة التربية والتعليم، والتي سجّلت حضورًا لافتًا ضمن فعاليات معرض مسقط الدولي للكتاب. وقد انطلقت المسابقة في نسختها الأولى (2024–2025)، وتواصل مسيرتها في النسخة الثانية (2025–2026)، مستهدفة طلبة المدارس بمختلف محافظات سلطنة عُمان عبر ثلاث مراحل تنافسية تمتد طوال العام الدراسي.
وأوضح محمد بن مرهون المكتومي، مدير دائرة المبادرات الشبابية بوزارة الثقافة والرياضة والشباب، أن المسابقة تُعد مشروعًا وطنيًا ثقافيًا يتضمن برامج تفاعلية تعزز القدرات اللغوية والتعبيرية لدى الطلبة، وتنمّي التفكير النقدي، وترسخ حب القراءة. وأظهرت إحصاءات النسخة الأولى مشاركة 1345 طالبًا وطالبة، تأهل منهم 411 على مستوى المحافظات، ثم تنافس 44 على المستوى المركزي، وصولًا إلى تكريم 12 طالبًا وطالبة في المرحلة الختامية، فيما تجاوز عدد الكتب المقروءة 500 كتاب.
إلى جانب المسابقات الرسمية، تبرز مبادرات شبابية غير ربحية تسهم في نشر ثقافة القراءة بين الناشئة، من بينها مبادرة «باقون وللحلم بقية» التي نفذت نشاط «ولايتـي تقرأ» في ولايات صحار وصحم والخابورة، ومبادرة «روضة القراءة» في قرية سمد الشأن، والتي وفرت مكتبة متكاملة للأطفال والناشئة، إضافة إلى مبادرة «خضراء الفكر» التي أسست مكتبات صغيرة في المتنزهات لدمج متعة القراءة بالأنشطة الترفيهية.
كما تؤدي المكتبات العامة والأهلية دورًا محوريًا في تعزيز الوعي المجتمعي. وتعد مكتبة الشيخ محسن بن زهران العبري الأهلية بولاية الحمراء نموذجًا ثقافيًا فاعلًا أعاد تعريف وظيفة المكتبة من مجرد مكان لحفظ الكتب إلى منصة معرفية شاملة. فقد وسّعت المكتبة أنشطتها لتشمل أركانًا تعليمية وتجريبية، ومتحفًا للتراث المحلي، ومسرحًا ثقافيًا، وحلقات عمل وندوات معرفية، إلى جانب إنشاء ركن خاص للأطفال وركن يوثق كل ما كُتب عن ولاية الحمراء لتسهيل البحث العلمي.
وفي مواكبة للتحول الرقمي، قامت المكتبة بفهرسة كتبها إلكترونيًا، وربطها بمحركات بحث عبر موقعها، وإنتاج مقاطع مرئية تعريفية بعدد من الإصدارات العلمية، إضافة إلى تنظيم رحلات استكشافية ثقافية تُحوّل التجربة الميدانية إلى معرفة مكتوبة تثري المحتوى المحلي.
وبالتوازي مع ذلك، تواصل المبادرات الشبابية دورها في تفعيل المشهد القرائي، ومن بينها مبادرة «روّاق الأدب» التي تأسست عام 2021 تحت مظلة وزارة الثقافة والرياضة والشباب، وتهدف إلى نشر ثقافة الأدب العربي وتنظيم فعاليات أدبية تعزز مهارات الحوار والنقاش لدى الشباب. ويؤكد القائمون عليها أن النقاشات القرائية تُثري الفكر وتمنح المشاركين مهارات في التعبير والنقد وتقبّل الرأي الآخر.
وتعكس تجارب القراء الشباب أثر القراءة في حياتهم الشخصية والمهنية. فترى نافلة بنت سليمان الفلاحية أن المعرفة رحلة مستمرة لا تتوقف عند شهادة أو مرحلة عمرية، مشيرة إلى أن تنوع مصادر المعرفة أسهم في توسيع رؤيتها وتعزيز مرونتها الفكرية. كما أكدت أن انضمامها إلى أندية القراءة ومشاركتها التطوعية في معرض مسقط الدولي للكتاب عمّقا ارتباطها بعالم الكتاب.

من جانبه، يستذكر أحمد بن مبارك العبري بداياته القرائية منذ المرحلة الابتدائية، مؤكدًا أن نوعية الكتب المقروءة أهم من عددها، وأن القراءة الواعية المتفاعلة هي التي تُحدث الأثر الحقيقي في الفكر والسلوك. ويرى أن مجموعات القراءة تسهم في تطوير مهارات اختيار الكتب وتحليلها ومناقشتها، وتنقل القارئ من متلقٍ سلبي إلى قارئ ناقد يوظف المعرفة في حياته.
وهكذا، تظل القراءة ركيزة أساسية في بناء وعي الشباب وتعزيز قدراتهم الفكرية، وجسرًا يربط بين المعرفة والواقع، بما يسهم في تكوين مجتمع واعٍ قادر على التفاعل مع معطيات العصر دون التفريط في هويته الثقافية.





