صناعة المحتوى في عمان؛ الاقتصاد المهدور…

كتب / سعيد بن مسعود المعشني

لم تعد صناعة المحتوى فعلا ثقافيًا صرفا ولا نشاطًا جانبيًا يمارسه الهواة في أوقات الفراغ، بل تحولت خلال العقد الأخير إلى واحدة من أسرع الصناعات نموًا في الاقتصاد العالمي، وقاطرة حقيقية لاقتصاديات الإبداع والمعرفة. فالدول التي أدركت مبكرًا قيمة الكلمة والصورة والصوت، لم تعد تتعامل مع المحتوى بوصفه منتجًا إعلاميًا فقط، بل كأصل اقتصادي يولّد فرص عمل، ويصنع علامات تجارية، ويعزز القوة الناعمة، ويخلق سلاسل قيمة تمتد من الإعلان والتسويق إلى السياحة والتقنية والتعليم.


في عُمان، ورغم ما نملكه من رصيد ثقافي وتاريخي وجغرافي وإنساني ثري، ما تزال صناعة المحتوى غائبة تقريبًا بوصفها “صناعة” قائمة بذاتها، لا من حيث السياسات، ولا من حيث البنية التنظيمية، ولا حتى في الوعي العام. فالمحتوى موجود، والمواهب موجودة، والمنصات مفتوحة، لكن ما نفتقده هو تحويل هذا النشاط المتناثر إلى قطاع اقتصادي منظم له قواعده وحواضنه واستثماراته.
اقتصاديًا، يمكن لصناعة المحتوى أن تضيف الكثير إلى الاقتصاد العُماني إذا أُحسن التعامل معها. فهي قطاع منخفض التكلفة الرأسمالية مقارنة بالصناعات الثقيلة، وعالي العائد إذا ما تم توجيهه بذكاء.


المحتوى الرقمي يخلق وظائف للشباب في مجالات الكتابة، والإخراج، والتصميم، والتصوير، والمونتاج، والتسويق الرقمي، وإدارة المنصات، دون الحاجة إلى بنى تحتية معقدة. كما يمكن أن يتحول إلى أداة داعمة لقطاعات أخرى مثل السياحة، من خلال الترويج الذكي للتجربة العُمانية، أو التعليم عبر المحتوى المعرفي، أو حتى الصناعات الصغيرة والمتوسطة التي تحتاج إلى سرد قصصي وتسويق إبداعي لمنتجاتها.


لكن السؤال الجوهري: لماذا لم تتحول صناعة المحتوى إلى قطاع واضح المعالم في عُمان حتى الآن؟
أول الأسباب يكمن في النظرة التقليدية للمحتوى بوصفه نشاطًا إعلاميًا محضًا، يخضع غالبًا لمعايير رقابية وتنظيمية صارمة، دون الالتفات إلى بعده الاقتصادي والاستثماري. هذه النظرة جعلت كثيرًا من المبادرات الفردية تعمل في الهامش، بلا حماية قانونية واضحة، ولا حوافز، ولا مسارات نمو مستدامة.


السبب الثاني هو غياب الإطار المؤسسي الداعم. فلا توجد حتى اليوم سياسات واضحة تُعرّف صناعة المحتوى كقطاع اقتصادي، ولا برامج تمويل متخصصة، ولا حاضنات أعمال تُعنى بالمحتوى الإبداعي كما هو الحال في قطاعات التقنية أو الابتكار. وغالبًا ما يُطلب من صانع المحتوى أن يكون إعلاميًا، ورائد أعمال، ومسوقًا، ومحاميًا لنفسه في آن واحد، وهي معادلة مرهقة لا تنتج صناعة، بل حالات فردية معزولة.


أما السبب الثالث، فيرتبط بثقافة المجتمع نفسه، حيث لا يزال التعامل مع المحتوى الجاد أو النقدي أو المختلف بحذر وربما بريبة. فبيئة صناعة المحتوى تحتاج إلى قدر معقول من الحرية، والتجريب، وتقبّل الاختلاف، لأن الإبداع لا ينمو في مساحات الخوف أو القوالب الجاهزة. وعندما يُكافأ التكرار ويُعاقَب التجديد، فمن الطبيعي أن تهاجر الأفكار أو تنطفئ.


ولا يمكن إغفال عامل السوق، إذ تهيمن الإعلانات التقليدية والعلاقات الشخصية على جزء كبير من الإنفاق الإعلاني، بينما لا يزال الاستثمار في المحتوى الرقمي الاحترافي محدودًا، ويُنظر إليه أحيانًا كخيار ثانوي لا كقناة استراتيجية لبناء العلامة والتأثير.


إن تحويل صناعة المحتوى إلى رافد حقيقي للاقتصاد العُماني لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى قرار واعٍ يعترف بالمحتوى كقيمة اقتصادية، ويضع له إطارًا تشريعيًا مرنًا، وبيئة استثمارية محفزة، ومساحات آمنة للإبداع المسؤول. فالدول لا تبني اقتصاد المعرفة بالمصانع فقط، بل تبنيه بالعقول، وبالقصص التي ترويها عن نفسها للعالم.
وعُمان، بما تملكه من حكايات لم تُروَ بعد، قادرة على أن تجعل من صناعة المحتوى أحد مفاتيح تنويع اقتصادها، إذا ما قررت أن تنظر إلى الكلمة والصورة، لا كعبء، بل كفرصة.

مجلة “الواحة العُمانية” تُصدر عددًا خاصًا بمناسبة الذكرى السادسة لتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم
زر الذهاب إلى الأعلى