كن صاحب مبدأ… تكن صاحب أثر

بقلم: ربيعة بنت صالح الرحبية
وأنت تخطو أولى خطواتك في حياتك الوظيفية، تذكّر أن بيئة العمل ليست ساحة اصطفاف ولا ميدانًا لتصفية الولاءات الضيقة، ولا مساحة لإعادة إنتاج الانتماءات القبلية أو المذهبية أو الفئوية. إنما هي منظومة مؤسسية تقوم على التكامل، وتحكمها معايير الأداء، وتُقاس فيها القيمة بميزان الكفاءة والإنجاز.
لم تأتِ إلى موقعك الوظيفي لتكون تابعًا لجماعة، ولا لتبحث عن مظلة تحتمي بها، بل جئت لتؤدي دورك بوعي، وتنجز مهامك بإتقان، وتبني اسمك المهني على أساس من النزاهة والاحترافية. فالمؤسسات لا تزدهر بالمحسوبيات، بل تنهض بالعدالة، ولا تستقر بالتحزّبات، بل تستقيم بالحوكمة الرشيدة.
إن الانحياز في بيئة العمل لا يبدأ بقرار صريح، بل غالبًا ما يتسلل في صورة مجاملة غير مستحقة، أو تفضيل غير مبرر، أو صمت عن خطأ بدافع القرب أو الخشية أو المصلحة. ثم يتنامى تدريجيًا حتى يتحول إلى معيار خفي يحكم القرارات، ويؤثر في توزيع الفرص، ويشوّه مبدأ تكافؤ الكفاءات. وحين يُقدَّم الولاء للأشخاص على حساب الحق، تختل منظومة القيم، وتتراجع الأولويات، ويتآكل الإخلاص من الداخل.
العنصرية، أيًّا كان مسمّاها أو شكلها، هي ممارسة إقصائية تُقصي الآخر وتُضعف روح الفريق، وهي نقيض مباشر لمبدأ العدالة المؤسسية. فلا يمكن أن تجتمع العدالة والعنصرية في قلب إداري واحد، كما لا يمكن أن يتحقق الإخلاص المهني في بيئة تُبنى قراراتها على اعتبارات غير موضوعية أو مصالح ضيقة. إن القيادة الواعية تدرك أن العدالة ليست شعارًا أخلاقيًا فحسب، بل ركيزة استراتيجية لضمان الاستدامة المؤسسية وبناء الثقة.
في الميدان التربوي تحديدًا، حيث تتشكل العقول وتُبنى القيم، تصبح النزاهة المهنية مسؤولية مضاعفة. فالمعلم أو الإداري المنحاز لا يضر زملاءه فحسب، بل يبعث برسالة غير مباشرة إلى الأجيال مفادها أن العلاقات تتقدم على الاستحقاق، وأن القرب يُغني عن الكفاءة. وهنا يكمن الخطر الحقيقي.
اجعل معيارك ثابتًا لا يتبدل بتبدل الأشخاص ولا يتأثر بتغير المواقع:
الحق قبل العلاقة، والكفاءة قبل القرب، والنزاهة قبل المصلحة.
تذكّر أن الجماعات تتغير، والمناصب تزول، والتحالفات تضعف، لكن سمعتك المهنية تبقى رصيدك الحقيقي. يبقى أثرك، ويبقى ضميرك شاهدًا عليك أو لك. أما القرار العادل، فيظل علامة مضيئة في مسيرتك، حتى وإن لم يرضِ الجميع.
في نهاية المطاف، القيادة الحقيقية ليست في كسب الأطراف، بل في كسب الثقة. وليست في إدارة الولاءات، بل في ترسيخ المبادئ. فكن صاحب مبدأ، تكن صاحب أثر.





