‏الحوادث طوارئ والمبادئ ثوابت‏الأمن والأمان والخصوصية

‏إبراهيم السالمي

‏نعيش زمانا يسهل فيه كثيرا تدوير الحوار وتدويل القضايا، وتدوين المشاعر وتثوير العواطف حتى وإن كان كل ذلك على حساب المبادئ. إنه زمن يُسيطَر فيه علينا أكثر مما نسيطر فيه على أنفسنا في قبول الفكرة أو في رفضها. زمن لا يتيح لنا سعة في التريث لنقرأ عمق الحادثة وأبعادها بل يكون التسطيح سمة غالبة في أغلب منصات التواصل الاجتماعي، حتى أكاد أجزم أن الغث أكثر من السمين فإثمها أكبر من نفعها في أحايين كثيرة.
‏هنا لا أتحدث عن الوعي السياسي بما يدور في حينه في الحرب “العبثية” بين أمريكا وإسرائيل وبين إيران، وإنما حديثي إلينا نحن العمانيون عن وعينا السياسي العام أمام هذه الأحداث التاريخية وكيف يشكل ذلك الوعي موقفنا اليوم، وكيف يتشكل ذلك الوعي من خلال تجربة الإنسان على هذه الأرض الممتدة من ما قبل الإسلام إلى يومنا هذا. أعني ذلك الوعي بقرون من التجربة كيف نفككه ثم نعيد ترتيبه بميزان دقيق نستطيع به أن نزن علاقتنا بالأخر المعتدي والمعتدى عليه دون أن يختل ميزان مبادئ الكيان العماني العميق.
‏منذ انطلاقة منصات التواصل الاجتماعي استهلكنا مفردة الأمن والأمان والخصوصية العمانية إلى درجة أننا أدرجناها في النكت والطرائف والاستهزاء، ووظفناه بطريقة أو بأخرى في رفض ما لا نتفق عليه كان رسميا أم شعبيا، كان جرأة في الاصطفاف أم رغبة في الاختلاف، كنا مأزومين مهزومين أو كنا منتشين بالغلبة والانتصار، كل ذلك كان استهلاكا بلا وعي لهذه المفاهيم حتى صارت لا طعم لها إلا في مقام الاستهزاء.
‏ولكن دعونا نفكك التجارب العمانية في التاريخ ثم نعيد ترتيبها وتركيبها لنعود بالدلالة إلى الناتج الدال على مفاهيم الأمن والأمان والخصوصية العمانية، خاصة تلك التجارب التي عادة ما تولد من رحم البينية بين القوى الكبرى في العالم.
‏فما قبل الإسلام هذه الجزيرة العربية كانت مسرحا بين واحد من أهم الصراعات في التاريخ البشري الفرس والروم، ولكن التاريخ يؤكد الاستقرار النسبي لوطننا عمان عبر التجارة والانفتاح وقلة التصادمات -وإن وجدت قليلا- وعبر التوازن الذي يؤكده حفاظ الكيان الذي يسمى “عمان” على ما هو عليه.
‏ثم إلى العصر الإسلامي وخصوصية دخول عمان بما لها وعليها من بعد عن مركز النور وبيئتها التي تمكنها كثيرا من خوض المغامرة في التمرد وعدم قبول الدعوة، ولكن أسلم هذا الكيان طوعا ولم يدخل ساحته خف ولا حافر، أليس ذلك يعد توازنا واستشراف وقراءة مستقبل الجزيرة العربية على ما ستؤول عليه الأمور.
‏ثم كثيرا كثيرا ما جرى من أحداث في العصرين الأموي والعباسي مما يطول ذكره، ولكن مع يقيني بتكرار ذكره في المناهج الدراسية لكن المأساة عدم استحضاره اليوم لنكي نتكئ عليه في اتباع المنهجية العمانية الراسخة في التعامل مع الأحداث العالمية الجارية.
‏وليس بعيدا وبكل فخر واعتزاز يعاد على المنابر والمنصات وفي المناهج والبحوث والدراسات ما جرى في القرن السابع عشر حين تصدت عمان لأقوى قوة بحرية آنذاك وما تلاها من انتصار امتدت أرجاؤه إلى حدود شاسعة وواسعة ولكن لم تفقد عمن توازنها المعهود مع تعامل القوى والتعامل مع المحيط.
‏ثم جاءت الدول البوسعيدية وفيها ما يغني وما يكفي ليكون استنباطه بمثابة “صك الغفران” على تبني سياسة الحياد الإيجابي منا نحن شعب عمان على منصات التواصل الاجتماعي، ويكفي أن نشير إلى عهد السلطان سعيد بن سلطان حين بلغت عمان امتدادا تاريخيا لا يمكن أن يكون إلا للإمبراطويات العظيمة التي يخلدها التاريخ عسكريا واقتصاديا وحضارة وانفتاحا وتعايشا، ومع كل ذلك يشهد التاريخ أن التوازن العماني كان حاضرة وبقوة مع جيرانها ومع محيطها القريب والبعيد في عهد السلطان سعيد بن سلطان. والذي أعنيه أن مبادئ عمان السياسية لم تتغير ولم تًحرف سواء كانت في أوج قوتها أو في ضعفها في بعض العصور التاريخية.
‏ثم هل لنا كعمانيين أن نعود إلى الآلية التي خرجت بها عمان منتصرة في القرنين التاسع عشر والعشرين في أحلك الظروف التي قسم فيها الوطن العربي وأطيح بملكياته ادعاء بالديموقراطية وحرية الشعوب وحقوق الإنسان، فعمان مع كل ذلك الصخب لم تكن يوما مستعمرة صريحة كسواها بل حافظت على كيانها المستقل وإن كان نسبيا في بعض الأحيان، حتى وحين أرادت ساحل عمان الاستقلال باسم دولة الإمارات العربية المتحدة لم تعارض عمان ولم تبالغ في التغاضي بل رحبت وأيدت وقالت أمة باسمين وشعب بجوازين، ورحم الله السلطان الراحل قابوس بن سعيد أوفى الرجل في زمانه خلقا ومبادئا.
‏هذا الامتداد التاريخ للخصوصية العمانية لم ينقطع واسألوا مصر والعراق وإيران حرب الخليج وكل الخليج، اسألوا الجزائر وما أدراك ببوابة الاستعمار الغربي في العصر الحديث وليكن أكبر تساؤل لموقف عمان التاريخي بين الفلسطينين والكيان الصهيوني حين كان هناك بادرة أمل لحفظ الحق الفلسطيني.
‏هذا الامتداد التاريخي يفسر لنا مواقف عمان الحديثة، التي بدت للبعض غريبة في حينها، ثم اتضح مع الزمن أنها كانت الأقرب إلى الصواب، كما سيتضح بعد غد حين تضع الحرب أوزارها موقف عمان من منطلق الدولة وكيانها العميق بعيدا عن الانجرار خلف العواطف والمزاج العام، سنجد تماما أن ذلك الرصيد السياسي التارخي كان كافيا لنؤمن بالخط الخاص التي اتخدته حكومة جلالة السلطان حفظه الله ورعاه في الحرب القائمة بين الصهاينة والإيرانيين.
‏إن هذا التفكيك حين يعاد تركيبه سنجده يؤدي إلى الموقف الموزون الذي لا يقود إلى خطاب العداء المطلق ولا يغلق باب الحوار، ولا يمضي إلى الحوار حين لا يملك الأدوات، إنه الوعي السياسي من خلال تجارب كيان عميق في التاريخ الإنساني على هذه القطعة من الأرض التي تسمى “سلطنة عمان”.
‏إن ما تمر به منطقة الخليج العربي اليوم، بما فيها من توترات وتحولات، كافٍ لأن نعيد النظر في خطابنا الشعبي، قبل الرسمي. فالانفعال على مواقع التواصل الاجتماعي تثقل أحيان القرار السياسي، وعدم الانسجام بين الخطاب الشعبي والخطاب الرسمي يقلل من أثره ويقطع الامتداد الطبيعي الذي ينبغي أن يكون لهذا الإرث السياسي العميق.
‏موقفنا اليوم ليس خروجا عن المألوف في السياسية العمانية والمعروف عنها، إنما هي ثوابت الموقف العماني في هدوئه وصمته واتزانه والشعب العماني يعي ذلك ولكن تجر العاطفة أغلبنا فتنعكس العاطفة على منصات التواصل الاجتماعي بغير الذي ينبغي أن يكون.
‏وفي الختام الخصوصية والأمن والأمان جيم تفهم كما يليق بهذه المفاهمي أن تفهم ستكون إيجابية لا محالة وعموما السياسة لا تكتب بالضجيج وعلو الصوت إنما يكتبها الأثر الذي يصاف في رصيد التجربة.

مجلة “الواحة العُمانية” تُصدر عددًا خاصًا بمناسبة الذكرى السادسة لتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم
زر الذهاب إلى الأعلى