ارتقى صالحا…!

بقلم الدكتور: محسن الكندي.
كاتب وأديب عماني
غالبني اليوم الحزن على وفاة الأخ العزيز ورفيق العمر الرجل الاريحي صافي السريرة صالح بن علي بن صالح بن علي بن مفتاح بن أحمد بن سعيد اليزيدي لأمرين اثنين هما أنه مات وهو في عقده السادس وهو عقد التكامل الروحي والاعتبار.. والأمر الثاني أنه مات بنصف جسده بعد أن بترت رجلاه ثلاث مرات لمرض عضال ألم به ..فكان صابرا محتسبا يردد عبارة إنه( قدر من الله قدر علي وعلي قبوله) .. لم اتمالك نفسي من التأثر الشديد وأنا أراه محمولا بين الأكتاف وقد تضاءل جسمه وضعف حاله.. وانهدت قواه وقد كان قويا. .فتمثلت ببيت لبيد العامري .. كل ابن أنثى وان طالت سلامته… يوما على آلة حدباء محمول.
في نظرة فاحصة للجمع الحزين وجدت نفسي أمام جموع من الناس هم جيل المرحلة
التسعينية من القرن العشرين التي لم تعش مكونات المرحلة التي عاشها المرحوم ويكاد أغلبهم لايعرفون عنه الكثير سوى اسمه وبيته واسم ابنه البار الوفي المخلص أيمن.. وقد سماه أيمنا ليكون يمينه وعضده وذراعه الممتدة له في الحياة فكان كذلك فتى نبيلا يحمل
إمارات النبل والأخلاق الفاضلة وأكثر منهما المشاركة المجتمعية كما أراده والده.. كان الناس يحملونه ويتوسلون الله العلي القدير أن يغفر له ويرحمه… فقد كان في أغلب حياته محبوبا لا تسمع منه سوى صوت جهوري يشرح لك بامتياز تفاصيل كلها بشر وترحاب وحب للحياة والناس والواقع خاصة في الملمات والأحداث الفارقة.. كان مكانه شاغرا معروفا في كل محفل٠٠ وفي شبابه المبكر كان طالبا نبيها في مدرسة المتنبي الابتدائية ثم الإعدادية وقد تزاملنا معا في الصفوف الأولى ولكنه لم يكمل تعليمه إذ سرعان ما غادر مقاعد الدراسة باكرا ليعمل في مكتب الشؤون الاجتماعية بإبراء التابع لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ثم في مكتب تحصيل الكهرباء إذ احوجته الحياة لظروف والده العسيرة العمل ليعيل أسرته واهله…. وفي طفولته ذاق مرارة الفقد ،ومعنى اليتم فقد توفيت أمه ريا بنت سالم بن سلطان الريامية وتربى في كنف عمة أمه المرأة الفاضلة الوقورة جوخة بنت سلطان الريامية التي كانت بمثابة جدته وعاش في كنفها بين حارتي الزريبة والخرسانة وفي كنف والده علي بن صالح اليزيدي رجل الصناعات الحرفية البصير بالزراعة الدقيق في عمله.
عاش صالح حياة المرحلة ونشأ شابا طموحا بين ظلال ضاحية ابيه المعروفة بالخرسانه وهي من أكثر ضواحي البلد اشجارا ونخيلا ولعل اشهرها اللمباه الخياية وشجرة البيلنج النادرة … وكان في كل شتاء ينزل منازل السعادة بفرح في منزل فاره بمقاييس الفترة منزل ذو طابقين يقع في الجانب المقابل لبيت الحوش بالشرجه وهو منزل ورثه ابوه من عمه سعيد بن علي بن مفتاح اليزيدي الذي كان متزوجا عمتي حسينة بنت محسن بن حمد الكندية.وقد عاش ردحا من حياته في الديار الأفريقية بعد أن عاشت فيها أسرته وعماته الثلاث مريم وحبيبة ونصرى ولدى عودته في اواسط ستينيات القرن العشرين أقام في الثابتي ثم شد رحاله إلى البحرين مصطحبا ابن أخيه (علي) وفي البحرين مكث قرابة سنتين عاد بعدها إلى عمان وتوفى بها قرابة عام ١٩٧٢م.

كان صالح الفقيد واحدا من أبناء القرية فتى مفعما بالنشاط والحركة والطموح يكتنفه الحلم بمستقبل سعيد.. كان لاعبا في دفاع فريق القرية قوي البنية اذا وقعت الكرة في رجلياه لا تكتفي الا بوصلها إلى مرمى الخصم.. وكان يلعب حافي القدمين مما يثير استغراب مشاهديه .. واذا ركل الكرة فهدفه صائب لا محاله.
وهو في جانبه رجل مجتمع سريع الإنجاز في اعماله. كما أنه صاحب خطاب معجب وحديث جيد.. وقد فأجأنا ذات يوم بمقطع صوتي بثه شاكرا اهل البلد على سؤالهم عنه ابان مرضه الأول… واليوم حين يغادر إلى ربه ستفقده الثابتي قريته التي عاش فيها ولم يخرج منها الا للمستشفيات المتعددة.. وسيفقد حضوره في أية مناسبات اجتماعية سعيدة..
رحل هذا الرجل اليوم عن عالمنا داعين الله له أن يغفر له ويرحمه وينزله منازل رحمته انه على كل شيء قدير.




