الفضاء والذكاء الاصطناعي… مسارات معرفية جديدة يقودها الشباب العُماني

مسقط في 3 فبراير 2026 /العُمانية/في ظل التحولات العالمية المتسارعة في مجالات التقنيات المتقدمة، يتنامى اهتمام الشباب العُماني بالذكاء الاصطناعي وعلوم الفضاء بوصفهما من أبرز ملامح الوعي المعرفي الحديث، الذي يجمع بين الطموح العلمي والرغبة في الإسهام الفاعل ببناء اقتصاد قائم على الابتكار والمعرفة، بدعم من المبادرات الوطنية والبرامج المؤسسية الهادفة إلى تمكين الشباب وتعزيز مشاركتهم في صياغة مستقبل سلطنة عُمان التقني.

ويُعد الذكاء الاصطناعي من أكثر المجالات استقطابًا لاهتمام الشباب العُماني، لما يتيحه من فرص واسعة لابتكار حلول تقنية متقدمة تخدم مختلف القطاعات الحيوية، وهو ما انعكس في تنامي المبادرات الوطنية الرامية إلى بناء القدرات وتأهيل الكفاءات الوطنية القادرة على توظيف هذه التقنيات بوعي ومسؤولية.

وفي هذا الإطار، أوضحت طوعه بنت عبد الله آل داوود، رئيسة قسم التطوير والدراسات بالمركز الوطني للفضاء والتقنية المتقدمة والذكاء الاصطناعي، أن وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات نفذت عددًا من المبادرات لدعم أفكار الشباب في مجال الذكاء الاصطناعي، من أبرزها برنامج «صنّاع الذكاء الاصطناعي»، الذي ركّز على بناء القدرات الوطنية وتمكين الشباب من إنتاج المعرفة العلمية المتخصصة، من خلال إعداد دراسات بحثية وربط مخرجاتها بتحديات واقعية في مختلف القطاعات.

وأضافت في تصريح لوكالة الأنباء العُمانية أن الوزارة نفذت كذلك مسابقة «هندِسها بالذكاء الاصطناعي»، التي هدفت إلى استقطاب المواهب الشابة وتوجيه شغفهم نحو تطوير حلول تقنية مبتكرة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، موضحة أن المسابقة وفّرت بيئة تنافسية محفّزة للعمل الجماعي متعدد التخصصات، وأسهمت في تطوير نماذج تطبيقية قابلة للاستخدام والتطوير مستقبلًا.

وفي سياق مبادرة «اقتصادات الذكاء الاصطناعي»، بيّنت أن الوزارة، بالتعاون مع وزارة الاقتصاد، عملت على حصر التحديات والمشروعات في مختلف القطاعات التي يمكن للذكاء الاصطناعي الإسهام في معالجتها، وربطها بالشركات الناشئة التي يقودها شباب عُمانيون، بما يمكّنهم من تطوير حلول تلبي احتياجات الجهات الحكومية، وتفتح آفاقًا اقتصادية واستثمارية جديدة.

وأكدت أن هذا النهج أسهم في تحويل الابتكار إلى قيمة اقتصادية ملموسة، ودعم نمو الشركات الناشئة، إلى جانب تمكين الشباب من تحويل شغفهم بالتقنيات المتقدمة إلى مسارات ابتكار عملية تسهم في دعم التحول الرقمي والتنمية المستدامة في سلطنة عُمان.

من جانبه، قال أحمد بن سيف الرئيسي، مدرب معتمد في الذكاء الاصطناعي، إن اهتمامه بهذا المجال انطلق من واقع عمله في التحول الرقمي، حيث لاحظ فجوة بين الإمكانات التقنية المتاحة وطريقة استخدامها داخل المؤسسات. وأوضح أن الذكاء الاصطناعي كان في البداية أداة لتقليل الإجراءات اليدوية ودعم اتخاذ القرار، إلا أن التطور المتسارع للنماذج التوليدية جعله يدرك أن الذكاء الاصطناعي أصبح عنصرًا استراتيجيًا يمس التعليم وسوق العمل بشكل مباشر، ما دفعه للتعمق في هذا المجال والحصول على اعتمادات دولية والمشاركة في مسابقات عالمية.

وأشار إلى أن الاستخدام المسؤول للتقنيات يمثل أولوية، مؤكدًا أن الذكاء الاصطناعي سلاح ذو حدين، ويتطلب وعيًا أخلاقيًا يوازن بين التمكين وتقليل المخاطر، مع ضرورة بناء عقلية نقدية لدى المتدربين تضمن توظيف التقنية كأداة داعمة للوظائف لا بديلًا غير مدروس عنها.

وفي مجال علوم الفضاء، يمتد اهتمام الشباب العُماني إلى الجوانب العلمية والتطبيقية، بدعم من المبادرات الوطنية وجهود الجمعية العُمانية للفلك والفضاء، التي أسهمت في نقل الشباب من دائرة الاهتمام النظري إلى المشاركة الفاعلة في البحث العلمي وتطوير التقنيات الفضائية.

وقال عمر بن حمدان الحوسني، عضو مجلس إدارة الجمعية العُمانية للفلك والفضاء، إن قطاع الفضاء يشهد تحولًا عالميًا متسارعًا من مجال علمي نخبوي إلى أحد محركات الاقتصاد المعرفي والابتكار التكنولوجي، ما يبرز أهمية إعداد الكوادر الوطنية وتمكين الشباب من الإسهام في البحث والتطوير وصناعة المستقبل. وأوضح أن الجمعية، منذ إشهارها عام 2008، ركّزت على تحويل شغف الشباب بالفلك والفضاء إلى مهارات وقدرات بحثية وتطبيقية، من خلال برامج تدريبية متخصصة في تصميم وبرمجة الأقمار الصناعية المكعبة، والمشاركة في برامج دولية أثمرت عن إسهام عُماني فعلي في تصميم وبناء وإطلاق القمر الصناعي «INSPIRESat-1».

وأكد أن قطاع الفضاء بات منظومة متكاملة تتقاطع مع الاقتصاد والبيئة والأمن والاتصالات والتعليم والذكاء الاصطناعي، موضحًا أن السياسة الوطنية للفضاء والبرنامج التنفيذي (2023–2033) يفتحان آفاقًا واسعة أمام الشباب في مجالات التوظيف النوعي وريادة الأعمال والبحث العلمي. وأضاف أن الجمعية تحرص على مواءمة برامجها مع احتياجات السوق المستقبلية، وربط التدريب النظري بالتطبيق العملي، وتعزيز ثقافة الابتكار وريادة الأعمال التقنية.

وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي يشكّل أحد أهم محركات التحول في قطاع الفضاء عالميًا، لما يتيحه من إمكانات في تحليل البيانات الضخمة، وتحسين كفاءة الأنظمة الفضائية، ودعم مجالات مثل مراقبة الأرض، والتنبؤ بالمناخ، وإدارة الكوارث، وتشغيل الأقمار الصناعية ذاتيًا، مؤكّدًا أن الجمعية تعمل على تعزيز وعي الشباب بأهمية هذا التكامل عبر إدماجه في برامجها التدريبية وتشجيع المشروعات البحثية الطلابية.

من جانبها، تحدثت غيداء بنت خالد الجابرية عن تجربتها في برنامج «مسرّعة عُمان للفضاء»، مؤكدة أن مشاركتها نقلت اهتمامها بالفضاء من شغف علمي إلى عمل تطبيقي في إعداد المشروعات الفضائية. وأوضحت أن تقنيات الفضاء لم تعد حكرًا على البحث العلمي، بل أصبحت أدوات عملية تُستخدم في مراقبة الأرض، وتحليل الموارد، وإدارة المدن، ودعم اتخاذ القرار في التخطيط الحضري والبيئي.

وبيّنت أن الاعتماد على أدوات جاهزة دون فهم الأسس العلمية والرياضية للبيانات الفضائية قد يؤدي إلى نتائج غير دقيقة، مؤكدة قناعتها بأن الفضاء منظومة معرفية متكاملة تبدأ من العلم وتنتهي بالتطبيق. ورأت أن إدماج تقنيات الفضاء ضمن أولويات التنويع الاقتصادي في سلطنة عُمان يمكن أن يتحقق عبر بناء القناعة المؤسسية بأهمية بيانات الفضاء، وتنفيذ مشروعات تجريبية تُبرز القيمة العملية لهذه التقنيات وتحولها إلى خدمات تشغيلية قابلة للقياس.

مجلة “الواحة العُمانية” تُصدر عددًا خاصًا بمناسبة الذكرى السادسة لتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم
زر الذهاب إلى الأعلى