مجموعة الحبيب عطاء الخير تكتب الأثر

حمود بن علي الطوقي

في وقتٍ تتعاظم فيه الحاجة إلى ترسيخ مفهوم الشراكة المجتمعية بين القطاع الخاص ومؤسسات العمل الأهلي، تبرز مبادرات نوعية تستحق الإشادة والتوقف عندها؛ وفي مقدمتها ما تقوم به مجموعة الحبيب للعام الخامس على التوالي، من خلال تكريم الجمعيات والفرق واللجان الأهلية والخيرية في سلطنة عُمان، وتقديم مبالغ مالية تسهم في دعم هذه الجمعيات ومساندتها على تحقيق أهدافها وخدمة الفئات التي ترعاها.
إن استمرار هذه المبادرة لمرات عديدة بما تحمله من رسائل إنسانية وتنموية، يعكس رؤية واعية تؤمن بأن التنمية ليست مسؤولية جهة واحدة، وأن القطاع الخاص شريكٌ أصيل في صناعة الأثر الإيجابي، وتخفيف الأعباء عن المجتمع، وتعزيز قدرات الجمعيات التي تعمل قرب الناس وتفهم احتياجاتهم على أرض الواقع.
وتكتسب هذه الخطوة المباركة قيمة إضافية كونها تتبناها قيادة مؤمنة بفكرة العطاء المنظم، يتقدمها الأستاذ علي بن مال الله حبيب اللواتي رئيس مجلس إدارة المجموعة، الذي جعل من التكريم نهجًا ثابتًا وعادة حسنة، لا ترتبط بموسمٍ عابر أو ظرفٍ طارئ، بل تتكرر عامًا بعد عام لتؤكد أن العطاء حين يتحول إلى تقليد مؤسسي يصبح أكثر عمقًا واستدامة وأثرًا. وقد عبّر الأستاذ علي عن روح هذه المبادرة وهو يتحدث عنها قبيل شهر رمضان الفضيل قائلاً: “نلتقي اليوم في حفلنا الخامس لتكريم الجمعيات الخيرية العُمانية قبيل شهر رمضان الفضيل، تأكيدًا على أن ثقافة العطاء ليست موسمًا عابرًا، وأن أي مساهمة مهما بدت متواضعة فإنها تصنع أثرًا كبيرًا حين تتكاتف جهود الأفراد والمؤسسات.”
وتأتي النسخة الحالية من هذا التكريم والدعم ، والتي شملت قرابة ٢٥ جمعية ولجنة وفريق من مختلف محافظات السلطنة، لتؤكد أولًا اتساع رقعة الاهتمام وتنوعه، وثانيًا لتسلط الضوء على الدور الكبير الذي تقوم به هذه الجمعيات الأهلية والخيرية في تقديم الخدمات الاجتماعية، ودعم الأسر، ورعاية فئات المجتمع المختلفة، وتعزيز قيم التكافل والتراحم. كما يبعث هذا التكريم برسالة تقدير واضحة للعاملين والمتطوعين في هذه الجمعيات بأن جهودهم محل احترام واعتزاز، وأن هناك من يقف معهم ويؤمن برسالتهم.
وما لفت انتباهي في هذه النسخة، إلى جانب قيمة الدعم ومعناه، هو أجواء الاحتفالية نفسها؛ إذ بدت وكأنها احتفالية عائلية بامتياز، تجمع المدعوين من مختلف الجهات في مساحة واحدة من الألفة: رجال أعمال ومسؤولون وكتاب وعلماء دين وممثلو المجتمع المدني، في مشهد يبعث برسالة غير مكتوبة مفادها أن العمل الخيري ليس شأنًا خاصًا بمؤسسة أو جهة، بل هو عنوانٌ جامع تلتقي عنده القلوب والجهود والمسؤوليات.
وما زاد المشهد عمقًا وصدقًا، هو أن القائمين على هذه الجمعيات لم يكتفوا بكلمات الشكر، بل رفعت الأكف بالدعاء في لحظةٍ مؤثرة، سائلين الله أن يجعل هذا الدعم والعطاء في ميزان حسنات المحسنين من أصحاب الأيادي البيضاء، وأن يبارك في كل مبادرة تُخفف عن الناس وتفتح أبواب الأمل للمحتاجين، خاصة ونحن على أبواب شهر رمضان الفضيل حيث تتجلى أسمى معاني الرحمة والبذل.
إن مبادرات مثل مبادرة مجموعة الحبيب لا تُقاس فقط بحجم الدعم المادي، بل بما تصنعه من ثقةٍ ومعنى، وبما تبنيه من جسور تعاون بين القطاع الخاص والعمل الأهلي، وبما تحفّز به مؤسسات أخرى لتبني مبادرات مماثلة، بما يعزز منظومة المسؤولية الاجتماعية والتكاتف في عُمان ويمنحها قوة دفع مستمرة.
وختامًا، أقول يحق لنا أن نقول إن مجموعة الحبيب لا تنظر إلى دور القطاع الخاص بوصفه ترفًا أو خيارًا إضافيًا، بل تؤمن—قناعةً ونهجًا—بأنه جزءٌ أصيل من نسيج المجتمع، وأن التنمية الحقيقية تكتمل حين يمدّ الاقتصاد يده إلى الإنسان، وحين تتحول المسؤولية الاجتماعية إلى ثقافةٍ راسخة لا تُؤجَّل ولا تُؤطر بالمناسبات. ولعل ما يميز هذه المجموعة أنها رائدة في العطاء لا في شعاراته؛ إذ لا يقتصر حضورها على دعم المؤسسات والجمعيات الخيرية فحسب، بل يمتدّ ليشمل مساندة المؤسسات التربوية والإعلامية والثقافية ورعاية الفعاليات ذات البعد الاجتماعي، بما يعكس اتساع الرؤية وعمق الإحساس بالمسؤولية.
وهذا النهج ليس وليد اللحظة، ولا نزعةً عابرة، بل هو إرثٌ مؤسسي سُنَّت قواعده منذ التأسيس؛ حين أدرجه المؤسس الأستاذ مال الله بنت علي بن حبيب اللواتي—رحمه الله—ضمن أهداف المجموعة النبيلة، لتبقى روح المبادرة حيّة في مسارها، ويتواصل عطاؤها على أيدي أبنائه الذين يمضون على الدرب ذاته، محافظين على قيمةٍ جميلة مفادها: أن “النجاح” حين يطرق أبواب المؤسسات، لا يكتمل إلا إذا فتح معها أبوابًا للخير في حياة الآخرين

مجلة “الواحة العُمانية” تُصدر عددًا خاصًا بمناسبة الذكرى السادسة لتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم
زر الذهاب إلى الأعلى