محمد مراد وآخرون

تحسين يقين
كاتب ومسرحي فلسطيني
اعتدت رؤيته في الطرف الغربي من قريتنا الوادعة، وأنا ذاهب الى كرم العنب، وكثيرا ما بادرني بالتحية، الطفل الأسمر جميل الابتسامة. يجلس مع الأطفال، أو يتجولون هناك، أمام غروب الشمس، فمنهم من يقطف النرجس، ومنهم من يلاحق حبات اللوز والكرز والبرقوق، ومنهم من يركض في الهواء.
على مدار بضع سنوات، ومحمد يلعب هناك أو يجلس، يذكرني هو وأصحبه بطفولتي، فقد كنت هنا طفلا مثلهم، ألهو مع الأطفال، عاشقين لطعم اللوز. تمضي دقائق، فأنشغل بأمر الوصول الة الأرض للعمل، وهناك أراهم قريبين يتابعون اللعب، يتمتعون بنسمات الهواء الصيفية، ويثيرون الأمل والحيوية.

تلك هي معلوماتي عن الطفل محمد مراد، الذي كبر وصار فتى، وليس ضمن معلوماتنا في قريتنا الصغيرة شيء غير ما عرفنا من جمال الطفل وحبّه للحياة.
وهذا ما نعرفه من معلومات عن بلدنا، بلد العنب والزيتون، بأهلها المسالمين، المرتبطين بالزراعة، والذي يستغلون الوقت بالعمل في الأرض، ولذلك فهم تلقائيون في الوداعة والطيبة، يحبهم من يتعرّف عليهم.
في هذه البيئة نما محمد، على طرف القرية، تعانق عيناه كل صباح الطبيعة الجبلية حوله، والسماء الرحبة. وهو من أسرة تمتاز بالعلاقات الاجتماعية الطيبة، بقلوب بيضاء، هي قلوب أبيه وأعمامه، وجده أبو العبد، الممتلئ دوما حنانا وجمالا وحبا بالناس، وكثيرا ما تعاقب الجدّ والحفيد في المشي قربي وأنا أعمل، ودوما كان موضوع كلامنا الزراعة، وخبرات الآباء في زراعة العنب، دقائق ويمرّ الفتى مسرعا والجدّ ببطء، كأنه يتأمل رحلته في الحياة التي عاشها مكافحا في سبيل تنشئة أسرته، وهو المعلّم والباني، وكأنه مهندس مدنيّ في جودة عمله.
ما الذي سوف نتحدث به مع (أبو العبد) وهو يسير هنا الآن وفي قلبه هذا الحزن، كما في قلب الأب والأم والأعمام والعمّات؟ سيطيل أبو العبد النظر طويلا نحو الأفق، لعله هناك يرى الحفيد والصديق محمد، يلعب في عين الشمس وهي تنثني للرحيل، سيطول بلل العين وهو يفتقد الفتى الأسمر.
للأب انشغالاته في تأمين أسرته، ولكن للفتى الحفيد وجده الحضور المبهج هناك في جبال القدس الغربية التي تطل على يافا وغزة، والبحر حين تتيسر رؤيته في صباح نقيّ. وهنا بالذات يصعب اكتمال المشهد الآن، في ظل الفقد، وفي ظل الحزن على هذا الرحيل المفجع.
هؤلاء هم أهلنا في بيت دقو، وهؤلاء هم دار أبو العبد، فلا نفصل بين الأب والأبناء والأحفاد، وهم جميعا جميلون، ينظرون دوما بابتسامة محبة، فمن أين جاء وصف ما ليس فيهم، بل الأحرى هو ما ينطبق على ما يوقظ المسالمين فجرا، حين “يفعط” الفتيان كالطيور الى الأرض ليركضوا فيها؟
ترى ما الذي يمكن أن نشعر به حين نرى فيديو الاستعداد العسكريّ المدجج بالسلاح لاقتحام بيت دقو غير الشعور بالسخرية، كأعمق ما تكون؛ فلا يحتاج القرويين العزّل لاستعداد ولا لجنود، فليس لديهم ما يثير خوف الجنود المثقلين بالعدة، ولا هم ينتظرون وهم نيام أن يباغتوا بهم. ما الذي يقصده هؤلاء فعلا؟ وهل نحن الفلاحون والأبناء نرهب أحدا؟ ومن هؤلاء الذين شكوا من إرهاب أطفالنا؟ فهل ذهب أطفالنا ليلا فجرا ظهرا عصرا ليؤذوا أحدا؟ كل ما يفعله الأطفال والفتيان والشباب والكهول هو ممارسة الحياة العادية، بقلوي ممتلئة بالأمل أن تكون الحياة أفضل.
يمضي محمد مراد وآخرون تاركين المزيد من الأسئلة الاستنكارية التعجبية، فلا نعم هنا ولا عكسها، وهنا فقط يتعمّق التساؤل الإنسانيّ، وهو السؤال الوطني الأكثر وجودية، بل هو السؤال العالميّ الأكثر إحراجا: لم هذا الذي يتمّ الآن بفلسطين؟ وهل أصبح مجرد وجود الناس في بيوتهم فعلا إرهابيا؟
ثقيل هذا الحزن، فالقرى
الصغيرة لا تحتمل هذا الحزن، ولا تحتمل صدمة فعل يسطو على الأحلام؛ فقد كان محمد مراد في حلمه الليليّ الذي لم يتجاوز كثيرا حبات اللوز والكرز والبرقوق في هذا الربيع، وليس بين حلم محمد ليلا ونهارا فرق كبير، هو الحلم بحياة آمنة يتوفر فيها بعض الدفء وبعض الحاجات الصغيرة.
وهكذا، يستمر هذا المسلسل في عدة قرى فلسطينية هنا وهناك، بانتظار الهدوء والأمان، فلم يسطو الناس على أحد، لم يؤذوا، لم يقطعوا شجرة، لم يهدموا جدارا، لم يضربوا أحدا، وهم فقط أرادوا الحياة، فهل إرادة العيش باتت مشكلة تؤرق سلطات الاحتلال؟
ما الذي يقولونه؟ وما الذي يسألون عنه؟ وما الذي نقوله ونجيب عليه؛ فليس هنا مجال لا للسؤال ولا للجواب، هنا فقط شعب آمن، يمارس حياته، قريب من فضاء الأرض الزراعية والطبيعة. أليس هناك فعلا من عمل يقوم به الجنود إلا السطو على المدنيين العزّل؟ ألم يحن الوقت ليفكّر ساستهم قليلا بكل هذا الجنون؟ فما الذي سيكسبونه حين يزرعون الحسرات في القلوب؟
أسئلة كثيرة تتردد، يرددها الشقيق والصديق والعدو، يرددها صديق العدو وحليفه، ولكن لا مبادرة حقيقية للتأمل في كل ما يحدث في فلسطين المحتلة، والتي تقترب الآن من 78 عاما من الحرب عليها دون ذنب للأرض غير الاخضرار ودون ذنب لنا إلا من فعل محاكاة فعل الأرض الباسمة، مقتدين بذلك بكل الذين زرعوا هنا وغنوا هنا وصنعوا الخبز هنا وأبدعوا الأبجدية هنا.
هل قرأ محمد مراد وأبوه وجده وآخرون ما كتبه محمود درويش قبل عقود حين قال:
“سجِّل أنا عربي، ورقمُ بطاقتي خمسونَ ألفْ، وأطفالي ثمانيةٌ، وتاسعهُم.. سيأتي بعدَ صيفْ! فهلْ تغضبْ؟”
أم هو لسان الحال:
“أنا من قريةٍ عزلاءَ منسيّهْ، شوارعُها بلا أسماء..”
“لم يكره محمد مراد الناس، ولم يسط على أحد”
هو كذلك، ولكن السؤال يبقى ويكبر، ولا بدّ من الإجابة المرضية، التي تضمن لنا الحياة، كما يعيشها البشر وكما نريدها.
سنتذكرك كثيرا أيها الفتى الأسمر الباسم، ونحن نتجول حول القرية، ويزداد هناك في غربها، بأمل أن تشرق الشمس من جديد.
ستعتب عليك الأرض أيها الأسمر كثيرا، وستعجب كيف استطعت البقاء هناك في مرقدك البارد؟ قومي أيتها الروح البيئة النقيّة وعانقي هذه المرة السماء.





