حين تصبح الجريمة خبراً لا وقاية… من يحرس المجتمع ؟

✍️ خالد بن شاهين

في كل مرة تتصدر فيها جريمة عناوين الأخبار، يبدأ المشهد مألوفاً حدّ الملل: بيان رسمي، تحذير متأخر، ثم سرد للإجراءات بعد وقوع الضرر. وكأن دور المؤسسات يبدأ من لحظة الانفجار، لا من زمن الشرارة الأولى. السؤال المؤلم الذي يتردد في وعي الناس: لماذا ننتظر الجريمة حتى تقع، ثم نتحرك؟ ولماذا أصبحت الوقاية خياراً مؤجلاً، لا أولوية مُلزمة؟
المنطق الإداري الذي يختبئ خلف عبارة “لا يوجد بلاغ” لم يعد مقنعاً. فالجريمة اليوم لم تعد حدثاً عشوائياً يولد في لحظة، بل سلوك يتشكل عبر مؤشرات واضحة: نشاطات مشبوهة، كيانات غير مرخصة، تحركات مالية غير مبررة، وتاريخ سابق يمكن قراءته. تجاهل هذه الإشارات لا يعني الحياد، بل يعني ترك الباب مفتوحاً حتى يدخل الخطر بكامل إرادته.
كيف يمكن لشخص أن ينشئ كياناً استثمارياً وهمياً، يجمع الأموال من مئات أو آلاف الضحايا، يمارس نشاطه علناً، ثم بعد سقوطه فقط نكتشف أنه “غير مرخص”؟ أين كانت منظومة الرقابة قبل أن تتضخم الخسائر؟ أين كانت أدوات التحقق، والتوعية، والتحذير المبكر أم أن وظيفة الجهات المختصة أصبحت محصورة في إصدار البيانات بعد الكارثة؟
إن ترك المجتمع يواجه هذا النوع من المخاطر دون درع وقائي حقيقي، هو خلل في فلسفة العمل، لا مجرد قصور في الأداء. الدولة الحديثة لا تُقاس بسرعة ردّ الفعل فقط، بل بقدرتها على منع الفعل من الأساس. الوقاية ليست ترفاً إدارياً، بل مسؤولية سيادية تتطلب حضوراً دائماً، يقظاً، متصلاً بتفاصيل الحياة اليومية.
المؤسسات المعنية لا ينقصها الأدوات، بل ينقصها التحول من عقلية “الاستجابة” إلى عقلية “الاستباق”. فالعالم اليوم لا ينتظر البلاغ، بل يصنع منظومات ذكية ترصد الأنماط، تحلل السلوك، وتطلق التنبيهات قبل أن يتحول الشك إلى ضحية. الرقابة لم تعد مجرد تفتيش دوري، بل منظومة متكاملة من البيانات، والتكامل بين الجهات، والتواصل الفعال مع المجتمع.
كما أن رفع وعي المجتمع ليس بياناً يُنشر بعد الحادثة، بل عملية مستمرة، تبدأ من المدرسة، وتمتد إلى الإعلام، وتترسخ عبر منصات التواصل. المجتمع الواعي لا يُخدع بسهولة، ولا يصبح ضحية صامتة. أما تركه في الظلام، ثم مطالبته بالحذر بعد فوات الأوان، فهو تناقض لا يمكن تبريره.
المؤلم أن بعض الجهات لا تظهر قوتها إلا بعد وقوع الجريمة، فتستعرض قدرتها على الضبط والملاحقة، بينما الحقيقة أن الإنجاز الحقيقي كان يجب أن يكون في منع الجريمة أصلاً. فالقوة ليست في القبض على الجاني بعد أن يسرق، بل في إغلاق الطريق أمامه قبل أن يمد يده.
إن استمرار هذا النمط يفتح الباب لسؤال أكبر: هل نحن ندير المخاطر، أم نتعايش معها؟ وهل نمتلك منظومة وقاية حقيقية، أم نكتفي بإدارة الأزمات بعد وقوعها؟
المجتمع لا يحتاج إلى بيانات لاحقة، بل إلى حماية سابقة. لا يحتاج إلى تحذيرات متأخرة، بل إلى أنظمة تسبق الجريمة بخطوة. لأن كل جريمة كان يمكن منعها، لكنها لم تُمنع، ليست مجرد حادثة… بل إخفاق.
وحين تتحول الوقاية إلى غائب دائم، تصبح الجريمة ضيفاً متكرراً… لا يُفاجئ أحداً.

مجلة “الواحة العُمانية” تُصدر عددًا خاصًا بمناسبة الذكرى السادسة لتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم
زر الذهاب إلى الأعلى