«صلصال» لهشام مقدادي… سردٌ يكشف هشاشة الإنسان وأسئلته الوجودية

عمّان في 26 يناير 2026 /العُمانية/ تقدّم المجموعة القصصية «صلصال» للكاتب الأردني هشام مقدادي عالماً سردياً ثرياً، تتداخل فيه اليوميات البسيطة مع الأسئلة الوجودية العميقة، ويتقاطع فيه المادي بالروحي في بناء فنيّ متماسك.

وتضم المجموعة، التي نالت جائزة الدولة الأردنية التشجيعية، قصصاً قصيرة تبدو في ظاهرها هادئة ومألوفة، لكنها سرعان ما تفتح أبواب التوترات الداخلية، كاشفةً عن هشاشة الكائن البشري الذي يتشكّل ويُعاد تشكيله كما الطين في يد الصانع، وهي الفكرة المحورية التي تدور حولها معظم نصوص الكتاب.

وتبرز ثيمة الهشاشة بوصفها شرطاً إنسانياً أصيلاً، لا مجرد حالة ضعف عابرة؛ فشخصيات مقدادي تظهر ناقصة، مثقلة بالفقد والخوف والحرمان والقلق الوجودي والرغبات المكبوتة. ويتجلّى ذلك بوضوح في قصة «قداس»، حيث يتحرك السرد بين طقسين دينيين في بناء رمزي يوحي بوحدة الألم الإنساني وتجاوزه للاختلافات الضيقة، فيما يستحضر البطل صورة الأم كملاذ أخير في مواجهة احتمال الموت.

ويحتل الجسد موقعاً مركزياً في قصص المجموعة، بوصفه مستودع الذاكرة والرغبات والألم، ووسيطاً بين المادي والروحي. ففي قصة «صلصال» يتماهى الجسد مع الطين، وتتحول عملية التشكيل الفني إلى فعل روحي ذي بعد صوفي، حيث يغدو العمل اليدوي شكلاً من أشكال الذكر والمعرفة، ويرتبط فعل الخلق بصناعة الفخار في إسقاط رمزي عميق.

وتنعكس هذه الروح الصوفية في لغة مقدادي المشبعة بالصور والاستعارات، والقادرة على النفاذ إلى أعماق الشخصيات النفسية. لذلك تتكاثر الأفعال الحسية في القصص، فتمنحها إيقاعاً وحيوية، كما في قصة «تك تاك تك تك»، حيث يتحول صوت الساعة إلى معادل لنبض القلب والخوف من الفقد.

كما تحضر المرأة في «صلصال» بوصفها كياناً فاعلاً ومستقلاً، لا تابعاً أو هامشياً. ففي قصة «طرف المعادلة» تتابع السرد شخصية أنثوية تختار الرحيل وتحقيق ذاتها، رغم ثقل الذنب والحنين، لتتحول الهجرة من انتقال مكاني إلى رحلة داخلية عميقة، تطرح سؤال الحرية الفردية في مواجهة القيود الاجتماعية، دون أحكام أخلاقية مباشرة، مع ترك مساحة للتأمل والتفكير.

وتتميّز المجموعة أيضاً بقدرتها على التقاط تفاصيل الحياة اليومية البسيطة؛ كإعداد الشاي، وكيّ القميص، وانقطاع الكهرباء، ولعب الظلال على الجدران، وتحويلها إلى مفاتيح دلالية تكشف عن معاني الفقد والوحدة والحرمان والحب، في سرد يلتقط العادي ويعيد صياغته في صورة إنسانية مدهشة.

مجلة “الواحة العُمانية” تُصدر عددًا خاصًا بمناسبة الذكرى السادسة لتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم
زر الذهاب إلى الأعلى