الأعمال الفنية لسامر الطباع… حوار مفتوح بين الإنسان والمادة

عمّان في 26 يناير 2026 /العُمانية/ يُعدّ الفنان التشكيلي الأردني سامر الطباع من أبرز التجارب الفنية التي كرّست مفهوم الحوار العميق بين الإنسان والمادة، مستندًا إلى تجربة شخصية ثرية وبيئة ثقافية أسهمت في تشكيل رؤيته الفنية، والتي نضجت عبر أكثر من خمسة عقود من العمل المتواصل في مجالات النحت والرسم وتقنيات الفنون المختلطة.

نشأ الطباع في بيئة صحراوية اتسمت باتساع المشهد الطبيعي، وهو ما ترك أثرًا واضحًا في مخيلته البصرية وتجاربه الإبداعية. كما أسهم مساره الأكاديمي في صقل رؤيته، إذ بدأ بدراسة علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، ما عزز اهتمامه بالإنسان في سياقه الاجتماعي والحضاري، قبل أن يتجه إلى دراسة الفنون الجميلة ثم النحت. وقد أفضى هذا التداخل بين المعرفة الإنسانية والتشكيلية إلى تأسيس تجربة فنية متماسكة، لا تتعامل مع المادة بوصفها وسيلة شكلية فحسب، بل كحامل لفكرة ورؤية غالبًا ما تنشغل بأسئلة الوجود والهوية.
وانطلاقًا من هذا التصور، أنجز الطباع أعمالًا تتعامل مع المادة باعتبارها عنصرًا حيًا يمتلك قدرة على الحوار والممانعة والاقتراح، وليس كتلة جامدة تُفرض عليها إرادة الفنان. فالمادة، في تجربته، ليست وسيطًا محايدًا، بل فضاء فلسفي ينطوي على إمكانات متعددة، قد تهدد أو تفتح مسارات جديدة للحل والتشكيل.

واعتمد الفنان في عدد كبير من أعماله على الرخام، ولا سيما في تلك التي تستحضر ذاكرته البصرية المرتبطة باتساع الصحراء وعلو الجبال، فيما استخدم الخشب والمعدن في الأعمال القريبة من الطبيعة والمتحاورة معها. أما الفحم والغرافيت والأكريليك، فقد لجأ إليها في أعماله اللوحية التي تبدو وكأنها منحوتات مثبتة على الورق، مع تركيزه على الأسطح المخدوشة والمقطوعة، بما يثير الخيال ويفتح المجال لتعدد القراءات البصرية.
وفي أعماله النحتية، يتجاوز الطباع حدود الشكل المجرد، ليمنح الأولوية للمعنى والدلالة، خصوصًا في الأعمال المستلهمة من العوالم الرمزية والأركيولوجية، حيث تبدو المنحوتات كآثار لحضارات قديمة أو رموز أولى خطّها الإنسان في بداياته، دون الوقوع في المباشرة أو الالتزام برمز ثابت. ويخلق هذا التوجه حوارًا متواصلاً بين القديم والحديث، وبين الخيال والواقع، كما في منحوتته «العَجَلة» القائمة في أحد ميادين عمّان، والتي تتفاعل مع حركة المياه، في إشارة إلى العلاقة الجدلية بين الثبات والتغيّر، وبين المادة والطاقة.
وإلى جانب النحت، قدّم الطباع سلسلة من الرسومات المنفذة بالفحم والغرافيت والأكريليك على أسطح خشبية، محوّلًا اللوحة إلى نحت بصري يجمع بين البعد المرئي لمساحة العمل والبعد اللمسي للسطح الخام والمنحوت في آن واحد.
ويؤكد الطباع أن الفكرة تُثبَّت في ذهنه قبل بدء العمل، غير أن جوهر التجربة يتكشف أثناء التنفيذ، حين تبدأ المادة في فرض شروطها: أين تقبل التشكيل وأين ترفض، وكيف تتداخل الحواف مع الضوء والظل. وهذه الأسئلة التقنية، بحسبه، هي ما يمنح كل عمل بصمته الخاصة.

ورغم تنوع اشتغالاته، يصعب تصنيف تجربة سامر الطباع ضمن اتجاه فني واحد، فهي ليست نحتًا خالصًا ولا رسمًا تقليديًا، بل تجربة حسية ووجودية تتداخل فيها عناصر متعددة، وتتراوح بين التجريد الصارم والنعومة الخطية والتشكيل الهادئ. وربما كان هذا التفرّد سببًا في تجاوز أعماله حدود المحلية، إذ اقتنتها مؤسسات أكاديمية وفنية مرموقة، من بينها جامعة براون في الولايات المتحدة، ودارة الفنون في عمّان، والمتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة.





