خربة التنُّور… معلم أثري يجسّد ملامح الحضارة النبطية جنوب الأردن

عمّان في 26 يناير 2026 /العُمانية/ يُعد موقع خربة التنُّور في جنوب الأردن أحد الشواهد البارزة على حضارة الأنباط التي ازدهرت ما بين القرن الأول قبل الميلاد والقرن الأول للميلاد، إذ يعكس الموقع، القائم على سفح جبل يشرف على الوديان المحيطة، رؤية الأنباط لقدسية المكان وارتباط الطقوس الدينية بالطبيعة، من خلال اختيارهم المرتفعات لإقامة معابدهم.

وقد أُقيم الموقع على أحد طرق القوافل التجارية، ما يجعله تعبيرًا عن المنظومة الدينية والفنية للأنباط في آن واحد، حيث تشير التماثيل والنقوش الصخرية المكتشفة فيه إلى أنه كان مركزًا للشعائر والطقوس الدينية، وربما محطة للحج المحلي، في فترة شهدت توسع مملكة الأنباط شمالًا وشرقًا.

ويتكوّن الموقع من بقايا معبد نبطي يتميّز بتصميم مختلف عن الطراز الكلاسيكي المعروف في العمارة النبطية؛ إذ لم يُبنَ على هيكل معماري ضخم ومتكامل، بل اعتمد على منصات حجرية ومذابح ونقوش صخرية نُحتت بعناية، ما يمنحه خصوصية معمارية لافتة.

وتبرز في خربة التنُّور جماليات الزخارف الحجرية التي تمثل آلهة نبطية ورموزًا دينية متنوعة، من بينها رؤوس بشرية بملامح صارمة ووجوه ذات طابع تجريدي، إلى جانب زخارف نباتية وهندسية تعبّر عن حس فني متفرّد.

ويرجّح الباحثون أن اسم «التنُّور» يحمل دلالات رمزية مرتبطة بطقوس النار أو تقديم القرابين، وهو ما كان شائعًا في الديانات القديمة التي ارتبطت فيها النار بالتطهير والتقرب من الآلهة. وعلى الرغم من غياب نصوص مكتوبة توضّح طبيعة تلك الطقوس، فإن المكتشفات الأثرية وطبيعة الموقع تسمح بتكوين تصور عام لما كان يجري فيه، حيث يُعتقد أنه استُخدم لإقامة احتفالات موسمية متصلة بالخصب أو المطر أو حماية القوافل التجارية، وأن المنصات المرتفعة كانت مخصصة لتجمع الكهنة أو المشاركين في الشعائر.

وقد حظي الموقع باهتمام أثري متزايد منذ النصف الثاني من القرن الماضي، حين كشفت الحفريات عن عدد كبير من القطع المنحوتة، نُقل بعضها إلى المتاحف فيما بقي بعضها الآخر في الموقع. وأسهمت هذه الاكتشافات في إبراز الدور الحضاري للأنباط، انطلاقًا من عاصمتهم البترا التي أُدرجت ضمن عجائب الدنيا السبع الجديدة.

كما عُثر في خربة التنُّور على منحوتات حجرية ذات طابع رمزي واضح، لا تميل إلى الواقعية الدقيقة بقدر تركيزها على التعبير التجريدي، حيث تظهر الوجوه بعيون واسعة وأنوف مستقيمة وملامح حادة، في انعكاس لتصور الأنباط لآلهتهم. أما المذابح الحجرية، فجاءت بأسطح مستوية أو مجوّفة، وتنوّعت الزخارف المنحوتة بين نباتية وهندسية، في مزيج يعكس تأثر الفن النبطي بالبيئة المحلية وبالتيارات الهلنستية والرومانية، مع الحفاظ على خصوصيته الثقافية.

وإلى جانب العناصر المعمارية الرئيسة، كشفت البعثات الأثرية عن لقى صغيرة متنوّعة، مثل الشظايا الفخارية والأدوات الحجرية البسيطة، يُرجّح استخدامها في الطقوس الشعائرية أو من قِبل القائمين على خدمة المعبد. وقد نُقلت أهم القطع المكتشفة إلى المتاحف الأردنية، بهدف الحفاظ عليها ومواصلة دراستها، في موقع يُعد من أكثر المواقع الأثرية غموضًا وثراءً في الوقت ذاته.

مجلة “الواحة العُمانية” تُصدر عددًا خاصًا بمناسبة الذكرى السادسة لتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم
زر الذهاب إلى الأعلى