حارث الناعبي.. ألوان وحكايات عُمانية بين الأصالة والمعاصرة

مسقط في 25 أغسطس /العُمانية/يُقدّم الفن التشكيلي نافذة للتعبير عن الذات والبوح الداخلي، حيث تتلاقى ضربات الفرشاة مع الأفكار لتشكل لغة حوارية بين الفنان والعالم. وفي هذا الإطار، يبرز الفنان حارث بن سليمان الناعبي، الذي وجد لغته الخاصة في الرسم بعد أن تخطى مرحلة تقليد الواقع إلى إعادة صياغته من وجهة نظره الخاصة، ليصبح الرسم وسيلة للتواصل الروحي والعاطفي مع المشاهد.

بدأ الناعبي تجربته الفنية بشكل فطري، مستوحى من ذكريات الطفولة والمشاهد اليومية التي أسرت خياله، من أشكال الضوء على الجدران، ولون السماء عند الغروب، إلى الزخارف المعمارية التقليدية. ويؤكد أنه لم يعد يبحث عن الدقة الفوتوغرافية بقدر ما يسعى إلى التعبير عن الجوهر والإحساس، والصورة التي تراها الروح قبل العين.
ويُبرز الناعبي تنقله بين المدارس الفنية المختلفة؛ فقد بدأت تجربته بالواقعية التي علمته احترام النسبة والمنظور، ثم التجريب بالتكعيبية لتفكيك الشكل وإعادة تركيبه هندسيًا، ويُدمج اليوم بين الواقعية والتكعيبية أحيانًا مع لمسات تعبيرية ورمزية حسب حاجة اللوحة، مؤكدًا أن الأسلوب أداة للتعبير لا قيدًا يُقيد الإبداع.
ويولي الناعبي أهمية كبيرة لعناصر اللوحة الأساسية، مثل اللون والخط والفراغ، معتبرًا كل عنصر وسيلة لتوصيل رسالة أو إحساس محدد. فاللون أداة لنقل المشاعر، والخط يمثل الإيقاع الداخلي للعمل، والفراغ مساحة صمت وتأمل تمنح المشاهد فرصة التفاعل مع اللوحة.

ويستمد الناعبي إلهامه من البيئة العُمانية، سواء من العمارة التقليدية بنقوشها الخشبية، أو الأزياء الملونة، أو طبيعة المكان، لكنه يعيد صياغتها بطريقة تحمل بصمته الفنية، ليخلق بيئة تنتمي للخيال والواقع معًا. ويؤكد أن الفن يعكس الهوية الشخصية للفنان إلى جانب الهوية الجماعية العمانية والعربية، مما يجعل اللوحة نافذة للتعرف على ثقافة المجتمع وتاريخه.
ويعتبر الناعبي أن العلاقة بين الفنان والجمهور علاقة تبادلية، حيث يقدم العمل حوارًا صامتًا، ويتيح للمشاهد إعادة اكتشافه وفق تجربته ومشاعره، مع إدراكه لأهمية النقد البنّاء في تطوير العمل الفني وكشف نقاط القوة والضعف.

وفي ظل التحولات التقنية والثقافية، ينظر الناعبي إلى الوسائط الرقمية والذكاء الاصطناعي كفرص لتعزيز التجربة الإبداعية، مؤكدًا أن التحدي الحقيقي للفنان المعاصر هو الحفاظ على الجوهر الإنساني للعمل الفني، بحيث يظل نبض الإنسان حاضرًا مهما كانت الأدوات حديثة.
تجربة حارث الناعبي تمثل رحلة مستمرة بين الأصالة والمعاصرة، بين البيئة العُمانية وهوية الفنان، لتبقى لوحاته جسرًا بين الماضي والحاضر، وبين الفنان والمجتمع، مع نافذة مفتوحة على المستقبل والإبداع الحديث.





