ملتقى «معًا نتقدّم»… قول على قول

حمود بن علي الطوقي
من منطلق حرصي الشديد على المشاركة في ملتقى “معًا نتقدّم”، واهتمامي بأن أكون حاضرًا في اللقاءات والحوارات والنقاشات على مدار اليومين، أجدني اليوم أكثر يقينًا بأن هذا الملتقى ليس حدثًا بروتوكوليًا، بل منصة وطنية جادة تُصغي لما يُطرح فيها، وتلتقط الأفكار من الواقع، ثم تفتح لها مسارات المتابعة والبناء.
وما يثلج الصدر حقًا، أن الآراء والأفكار التي تُناقش في هذا الملتقى تحظى باهتمام كبير ومتابعة دقيقة من لدن حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم حفظه الله ورعاه؛ وهو ما يجعل المشاركة هنا مسؤولة، لأن الجميع يشعر أن الكلمة قد تتحول إلى أثر.
وتأتي هذه الدورة بوصفها النسخة الرابعة من ملتقى “معًا نتقدّم”، بما يعكس استمرارية هذا المسار الوطني وتطوره من نسخة إلى أخرى، وترسّخ مكانته كمنصة حوار مؤسسية تتسع فيها دوائر المشاركة، وتتراكم فيها الخبرات، ويُبنى عليها في صياغة السياسات والتوجهات.
وأستحضر هنا موقفًا شخصيًا من الملتقى الأول؛ حين شاركت بمداخلة في نقاش مع معالي الدكتورة مديحة بنت أحمد الشيبانية، وطرحت ملاحظة أراها جوهرية: قلت يومها بصراحة إنه غير مقبول ونحن نعيش ثمار النهضة المتجددة أن يبقى لدينا تعليم صباحي وتعليم مسائي؛ فهذا الواقع ربما كان مفهومًا قبل خمسين عامًا لاعتبارات المرحلة والإمكانات، أما اليوم—وفي اعتقادي—فهو لا ينسجم مع تطلعاتنا ولا مع جودة التعليم التي ننشدها لأبنائنا. ثم جاءت الأوامر السامية برصد مبالغ لإنشاء مدارس جديدة، بما يؤكد أن الملتقى—بما يطرحه من أفكار وملاحظات—يمثل قناة وطنية مؤثرة لتبادل الرؤى، وأن الحكومة تتعامل بجدية مع ما يُطرح فيه متى ما كان نابعًا من الواقع وموجهًا للصالح العام.
ومن المهم التأكيد أن نجاح هذا الملتقى لا يأتي مصادفة؛ بل تقف خلفه الأمانة العامة لمجلس الوزراء بوصفها الجهة المنظمة، بما عُرفت به من تحضيرٍ جيد ودقيق: في اختيار المحاور، وترتيب الجلسات، وإدارة الوقت، وصناعة بيئة حوار تسمح للمشارك أن يعبر بوضوح، وللنقاش أن يصل إلى خلاصات قابلة للبناء عليها.
ولا يفوتني هنا أن أسجل إشادة خاصة بشخصية معالي الشيخ الفضل بن محمد الحارثي وبفريقه، حيث نلمس على مدار اليومين متابعة حثيثة للمداخلات والنقاشات، وحرصًا على الاستماع إلى الآراء، وحضورًا مباشرًا في أروقة الملتقى، ولقاءات مفتوحة مع المشاركين، في جو يتسم بالحيوية والحرية المسؤولة في تبادل الرأي، وهو ما يعزز ثقة الجميع بأن الصوت الجاد محل اهتمام وتقدير.
وانطلاق الملتقى برعاية كريمة من صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم الموقر، نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية يمنح الحدث بعدًا إضافيًا من الثقة والدعم؛ فسموه يمثل فكر الشباب وروح المرحلة الاقتصادية، وحضوره وإدارته للجلسة الحوارية لاقت ترحيبًا واضحًا من قبل المشاركين والمتفاعلين، لما عكسته من قرب، وهدوء، وطرح عملي يعزز قيمة الحوار الاقتصادي المسؤول.
ويحسب لصاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم الموقر حضوره في المواسم السابقة والموسم الرابع و أن حضوره المشرف في هذا الملتقى لا يأتي بوصفه حضورًا رسميًا فحسب، بل بوصفه حضورًا فاعلًا يعكس متابعة دقيقة واطلاعًا عميقًا على الملفات المطروحة. ويلاحظ المشاركون أن ردود سموه تتسم بالحكمة والهدوء، وتجمع بين الإنصات الجاد والقدرة على تلخيص جوهر القضية، ثم الانتقال مباشرة إلى توجيهات واضحة، بل واتخاذ قرارات فورية عند الحاجة، وتوجيهها للمعنيين بما يضمن سرعة التنفيذ وحسن التطبيق. وهذا النهج يمنح الملتقى قيمته العملية؛ إذ يشعر المشارك أن الحوار هنا لا ينتهي عند منصة النقاش، بل يبدأ منها إلى مسار العمل.
كما يلمس المشاركون في صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم الموقر أنه مستمعٌ جيد لما يُطرح من آراء وملاحظات، يصغي باهتمام واحترام لكل وجهات النظر، ويمنح المتحدثين مساحة كافية لعرض أفكارهم دون مقاطعة، ثم يعود إلى جوهر الطرح بأسئلة دقيقة وتعقيبات متزنة. وهذا الإنصات الواعي لا يعكس فقط شخصية قيادية هادئة، بل يؤكد أن الحوار في “معًا نتقدّم” حوارٌ حقيقي تُبنى عليه الرؤى، وتُستخلص منه الأولويات، وتُصاغ عبره الحلول.
أما محاور الجلسات خلال اليومين—كما يوضحها برنامج الملتقى—فتذهب مباشرة إلى ملفات المرحلة: مناقشة رؤية عُمان 2040 بين الواقع والمأمول، ومناخ الاستثمار في القطاعات ذات الأولوية الاقتصادية، ودور المحافظات في تحفيز الاستثمار والصناعات التحويلية وصناعة السياحة والاقتصاد المحلي، ثم في اليوم الثاني ملفات تجويد الخدمات الحكومية لتعزيز الجاذبية والتنافسية، والعمل الحر وريادة الأعمال، ودور المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في بناء اقتصاد متنوع ومستدام.
وخلاصة القول: يثبت ملتقى “معًا نتقدّم” من دورة إلى أخرى أنه قول على قول… لكن القول هنا ليس للتسجيل، بل للمتابعة، ولاستلهام الحلول، ولتحويل الأفكار الصادقة إلى قرارات تصنع الفرق.





