المخرج عاهد عبابنة: المسرح في سلطنة عُمان مساحة تلتقي فيها الذاكرة التراثية برؤى المستقبل

مسقط في 12 يناير 2026 /العُمانية/ يرى المخرج والمسرحي عاهد عبابنة أن المسرح ليس مجرد خشبة وإضاءة، بل فضاء إنساني حيّ تُعاد من خلاله صياغة الواقع وتشريح الذات الإنسانية بلغة تتجاوز حدود الكلام. وفي تجربته، التي تمتد من المسارح الإيطالية العريقة إلى فضاءات سلطنة عُمان، يعتمد عبابنة على تعبيرات الجسد والمسرح التجريبي، حيث تتحول الحركة والصمت إلى أدوات بلاغية قادرة على حمل المعنى وإنتاج الدهشة.

ويتحدث عبابنة عن تجربته في سلطنة عُمان، مشيرًا إلى أنها بدأت قبل نحو سبع سنوات مع فرقة مسرح هواة الخشبة، من خلال تنظيم حلقتين تخصصيتين؛ تناولت الأولى “السايكودراما” أو الدراما النفسية، بوصفها أسلوبًا مسرحيًا يعتمد على التمثيل والحركة ولعب الأدوار للتعبير عن المشاعر والأفكار الداخلية، فيما ركزت الحلقة الثانية على استلهام الفلكلور العُماني وتوظيفه داخل العرض المسرحي.
ويؤكد أن قراءته للمشهد المسرحي العُماني لا تقف عند حدود توصيف الواقع، بل تتجه نحو استشراف ملامح “نهضة جمالية” تتشكل داخل بيئة ثقافية عميقة الجذور. ويشير إلى أن خصوصية المسرح العُماني تكمن في تمازج الأصالة التراثية بالطموح الحداثي، حيث تزخر الثقافة العُمانية بمرويات بصرية وطقوس أدائية تمثل مادة خصبة للمسرحيين، وتفتح آفاقًا واسعة للابتكار.

ويرى عبابنة أن المسرح العُماني يعيش اليوم مرحلة مخاض إبداعي إيجابي، تتكامل فيها الجهود المؤسسية مع شغف الفرق الأهلية والجامعية، لتأسيس فضاء مسرحي ديناميكي متجدد. ويصف الجمهور العُماني بأنه “متلقٍ شريك”، يمتلك ذائقة جمالية وحسًا نقديًا فطريًا، ويبحث عن الدهشة المعرفية والتفاعل الوجداني، مؤكدًا أن هذا الوعي الجماهيري يشكل ركيزة أساسية لأي مشروع تطوير مسرحي.
وحول آفاق التطوير، يعتقد عبابنة أن سلطنة عُمان تمتلك مقومات حقيقية لتكون مركزًا مسرحيًا مؤثرًا عربيًا ودوليًا، شريطة ألا يكون التطوير قائمًا على استنساخ النماذج الجاهزة، بل على “تبيئة” المناهج العالمية وصهرها في الخصوصية العُمانية. ويدعو إلى ترسيخ مفهوم “المسرح المختبري” الذي يركز على إعداد الكوادر الشابة، والارتقاء بالدراماتورجيا بوصفها علم وفن بناء العمل المسرحي من الداخل، بما يمكّن المسرح العُماني من تقديم خطاب إنساني كوني ينطلق من المحلي نحو العالمية.
ويتطرق عبابنة إلى المسرح بوصفه فضاءً جامعًا يتسع للجميع، مؤكدًا أن مسرح ذوي الاحتياجات الخاصة ليس نشاطًا خيريًا أو تأهيليًا، بل فعلًا إبداعيًا يعيد تعريف مفاهيم الجمال والإنسانية. ويشير إلى أن هذا النوع من المسرح يحول الاختلاف إلى قيمة جمالية، ويثري لغة الخشبة عبر طاقات جسدية ونفسية استثنائية، تمنح العرض صدقًا وجوديًا يعيد للمسرح وظيفته التطهيرية والإنسانية.
وفي هذا السياق، يستعرض تجربته مع فرقة مسرح عُمان للصم في إخراج مسرحية “الصراع”، واصفًا إياها برحلة إنسانية عميقة، انتقل فيها المسرح من “سلطة الكلمة” إلى “بلاغة الجسد”. ويؤكد أن مسرح الصم يعيد الاعتبار للغة البصرية، حيث يتحول الجسد إلى نص وموسيقى وإيقاع، وتصبح الإيماءة كلمة مرئية مشحونة بالدلالات، في تجربة تخلق شعرية جسدية تتجاوز حدود اللغات المنطوقة.
ويؤكد عبابنة أن المسرح قادر على مقاربة القضايا الاجتماعية والثقافية المعاصرة بعمق وجمال، شرط أن يبتعد عن المباشرة والخطاب الوعظي. فالمسرح، برأيه، لا يقدم حلولًا جاهزة، بل يثير الأسئلة ويحوّل القضايا إلى بنى رمزية مفتوحة للتأويل، عبر الصورة المسرحية المكثفة التي تخاطب الوجدان واللاوعي قبل العقل.
وحول المنهجية العلمية في العمل المسرحي، يشدد عبابنة على أن الالتزام بالمنهج هو الضمانة الحقيقية لتحويل الموهبة إلى إبداع احترافي، سواء في الإخراج أو التمثيل أو الدراماتورجيا. فالعمل المسرحي المنهجي أكثر وضوحًا في رسالته، وأعمق تأثيرًا، وقادر على المنافسة في المحافل الدولية، لأنه يقوم على أسس فنية راسخة تحترم وعي الجمهور وذكاءه.
وعن علاقته بالمسرح الإيطالي، يصفها بأنها علاقة تلمذة وعشق جمالي مستمر، مشيرًا إلى أن المسرح الإيطالي، بجذوره في كوميديا ديلارتي، علم العالم كيف يكون الجسد ناطقًا خلف القناع، وكيف يتحول الموروث الشعبي إلى فن عالمي عبر منهجية صارمة وجماليات بصرية احتفالية.
وفي حديثه عن التفاعل بين المسرح العربي والتجارب العالمية، يؤكد عبابنة أن الاستفادة الحقيقية لا تكمن في الاستنساخ، بل في التمثل وإعادة الإنتاج، من خلال توطين المناهج العالمية وربطها بالقضايا والخصوصيات المحلية، بما يحافظ على الهوية ويمنح المسرح العربي بعده الكوني.

ويختتم عبابنة حديثه بالتأكيد على أهمية مسرح الطفل، واصفًا إياه بـ”الحديقة المنسية” التي تحتاج إلى عناية خاصة. ويدعو إلى تجاوز المسرح التلقيني المباشر نحو مسرح الخيال والتمكين، القادر على بناء الوعي الجمالي لدى الطفل، وصناعة ذاكرته البصرية، معتبرًا أن تطوير مسرح الطفل استثمار استراتيجي في الإنسان العربي ومستقبل الثقافة.





