حسني أبو كريّم… مسيرة تشكيلية تزاوج بين المعرفة الأكاديمية وحرية الإبداع

عمّان في 12 يناير 2026 /العُمانية/ تشكّل تجربة الفنان التشكيلي الأردني الدكتور حسني أبو كريّم نموذجًا إبداعيًا يجمع بين المعرفة النظرية والممارسة الفنية، وبين الالتزام الأكاديمي والانفتاح على الحرية التعبيرية. وتكشف أعماله عن رؤية فنية هادئة بعيدة عن الصخب، تقترب من مفاهيم العمق والصدق والأثر المستدام، بوصفها امتدادًا لمسار إنساني وجمالي مفتوح على المكان والذاكرة وعلاقتهما بالإنسان.

وامتدت تجربة أبو كريّم، التي أسهمت في صياغة ملامح الفن التشكيلي الأردني المعاصر، على مدى عقود طويلة، ارتكز خلالها على الجمع بين العمق الأكاديمي والممارسة الفنية الحيّة، دون إغفال الحس الجمالي والاشتغال الواعي على قضايا المكان والإنسان. وتبرز في تجربته قدرة الفنان على الموازنة بين أدواره المتعددة في الإنتاج الفني، والنقد، والبحث المؤسسي، والتدريس الأكاديمي، بما يعكس حضورًا متكاملًا في المشهد التشكيلي.

وخلال سنوات دراسته، حرص أبو كريّم على الجمع بين الجوانب النظرية والتطبيقية والنقدية، وهو ما انعكس بوضوح على أعماله الفنية، حيث لا تبدو اللوحة لديه فعلًا عفويًا فحسب، بل نتاج وعي معرفي بتاريخ الفن وتقنياته وتحولاته، الأمر الذي منح تجربته عمقًا فكريًا وتعبيريًا لافتًا.

وعلى مستوى التقنيات، أنجز أبو كريّم عددًا من أعماله باستخدام الألوان المائية، وهو خيار يتطلب مهارة عالية وحساسية دقيقة في التعامل مع اللون والماء والسطح. كما اعتمد على تقنيات رطبة فرضت إنجاز اللوحة في زمن قصير قد لا يتجاوز ساعة واحدة، لتتحول الأعمال إلى لحظات مكثفة تعكس التفاعل الفوري بين العين واليد والذاكرة، وقد أظهرت هذه التجربة قدرته على التحكم بالوسيط الفني، واتخاذ قرارات لونية وتكوينية حاسمة دون الحاجة إلى التعديل أو الإضافة، مستندًا في ذلك إلى خبرته الطويلة وتمكنه من اختزال المشهد للإمساك بجوهره.
وفي تسعينيات القرن الماضي، قدّم أبو كريّم أعمالًا تكررت فيها ثيمات بصرية محددة، من بينها الجسر، والمخيم، والجرف، والجبل، غير أنه لم يتناولها بوصفها مشاهد واقعية مباشرة، بل أعاد صياغتها ضمن تكوينات رمزية عالية الدلالة، ارتبطت بالذاكرة الفلسطينية من جهة، وبالجغرافيا الأردنية من جهة أخرى.
وتحضر البيئة الأردنية بقوة في أعمال أبو كريّم، حيث استلهم موضوعاته من مشاهد طبيعية حيّة مثل وديان الصافي والنميرة والموجب، وصخور ضانا، والبترا، ووادي رم، وعجلون، وأم قيس. وجاءت أعماله بعيدة عن الطابع الوصفي للمنظر الطبيعي التقليدي، لتقدّم بنى لونية وتجريدية نابضة بالحيوية، تعتمد على التكثيف وتحمل شحنة وجدانية قادرة على نقل إحساس المكان وروحه، لا صورته الخارجية فحسب.

وإلى جانب انشغاله برسم المكان، تناول أبو كريّم قضايا إنسانية وعربية متعددة، تصدّرتها القضية الفلسطينية، إضافة إلى موضوعات تتصل بالتنمية البيئية والمجتمعية، وقدّمها جميعًا ضمن مقاربات فنية ابتعدت عن المباشرة والشعارات، لصالح تعميق البعد الرمزي والوجداني، وترسيخ الفن بوصفه فعلًا إنسانيًا ومعرفيًا في آن واحد.





