الكاتبة غالية الزبيدية: الهُوية صونٌ للذاكرة الوطنية وجسرٌ يعيد تشكيل علاقة الفرد بمجتمعه

مسقط في 2 فبراير 2026 /العُمانية/ تُمثّل الأديبة والكاتبة العُمانية الدكتورة غالية بنت عيسى الزبيدية نموذجًا إبداعيًّا يجمع بين البحث الأكاديمي المتخصص في اللسانيات الحديثة وتحليل الخطاب، والتجربة الشعرية والسردية، حيث أسهم نتاجها المعرفي والإبداعي في ترسيخ حضورها على المستويين المحلي والعربي، من خلال مشاركاتها في مهرجانات ومؤتمرات أدبية وعلمية، وإسهاماتها في الدراسات الإسلامية والثقافة العربية وعلوم القرآن الكريم.

وأصدرت الدكتورة غالية تسعة أعمال تنوعت بين النقد والشعر والسرد، وتُوّجت مؤخرًا بحصولها على جائزة «سرد الذهب» في دورتها الثالثة لعام 2025 من مركز أبوظبي للغة العربية، عن مجموعتها القصصية «بئر الغياب: من حكايات الماء في الأساطير العُمانية»، تقديرًا لإسهامها الأدبي والمعرفي.

وفي حديثها عن تكوينها المعرفي، أوضحت الزبيدية أن المعرفة شكّلت في تجربتها شرطًا جماليًّا للإبداع، لا مسارًا موازيًا له، مؤكدة أن انخراطها في اللسانيات وتحليل الخطاب أسهم في تعميق وعيها بطبقات اللغة الخفية وما توحي به النصوص beyond ظاهرها، الأمر الذي انعكس على كتابتها الإبداعية بوصفها فعلًا واعيًا بالاختيار والدلالة. وترى أن الخيال لا يولد من الفراغ، بل من التفاعل الحي بين المعرفة والدهشة، وأن المعرفة حين تُوظّف بوعي لا تُثقِل الخيال، بل تحرّره من التكرار وتفتح أمامه آفاق الابتكار.

وعن فوزها بجائزة «سرد الذهب»، اعتبرت الزبيدية الجائزة اعترافًا بمشروع سردي اشتغل على القصة القصيرة بوصفها فضاءً للتجريب والتأويل، مؤكدة أن مجموعتها «بئر الغياب» تستمد أهميتها من اتخاذ الماء موضوعًا مركزيًّا للكتابة، واستلهام الأسطورة العُمانية بوصفها نصًّا ثقافيًّا حيًّا، لا مجرد موروث يُستعاد. وأوضحت أن العمل يعيد تأويل الأسطورة، ويمنح الماء أبعادًا رمزية ومعرفية تكشف علاقته بالوجود والذاكرة والهوية في المخيال العُماني، بما يفتح أفقًا نوعيًّا جديدًا للسرد العُماني في المشهد العربي.

وأكدت الزبيدية أن المكان العُماني في المجموعة ليس خلفية للأحداث، بل عنصرًا فاعلًا في تشكيل السرد، حيث تنبع القصص من أمكنة مائية حقيقية كالأفلاج والآبار والأودية والبحر، لكنها تنفتح على الخيال والأسطورة، فيصبح الماء كائنًا حيًّا يحمل مشاعر الحب والعفو والغضب، ويغدو العنوان «بئر الغياب» بطلًا سرديًّا يرمز إلى العمق والذاكرة وما يتوارى في الوجدان الإنساني.

وفي حديثها عن القصة القصيرة، رأت الزبيدية أنها فنٌّ قائم على التكثيف والاختصار، وقادر على احتواء الشعر والفلسفة والفكر في مساحات محدودة، مؤكدة أنها تكتب القصة بوصفها فضاءً للدلالة لا لتتابع الأحداث، وأن قوتها تكمن في قدرتها على ملامسة الوعي المعاصر بأدوات بسيطة ظاهريًّا، عميقة جوهريًّا.

وحول استعادة الموروث، شددت على أنها لا تتعامل معه بوصفه حنينًا للماضي أو مادة للزينة النصية، بل كنص ثقافي مفتوح على التأويل، قادر على تفكيك الحاضر وكشف تحوّلات الوعي الجمعي. وبيّنت أن حضور الماء في الثقافة العُمانية يتجاوز كونه موردًا طبيعيًّا ليغدو رمزًا مؤسسًا للقيم الاجتماعية والروحية، وهو ما سعت إلى تجسيده في مجموعتها عبر إعادة توظيف الحكايات الشعبية والأساطير المحلية في بناء قصصي حديث.

أما عن الشعر، فترى الزبيدية أنه الجذر الأول في تجربتها الإبداعية، والينبوع الذي تفرعت منه بقية الأجناس الكتابية، مؤكدة أن حضوره في السرد ليس تزيينًا لغويًّا، بل سمة بنيوية تمنح النص عمقه الإنساني وكثافته الدلالية، وتعيد الاعتبار للتجربة الداخلية والأسئلة المفتوحة.

وفي جانبها البحثي، تناولت الزبيدية تحولات اللغة وعلاقتها بالمجتمع، محذّرة من التحولات الدلالية المتسارعة التي تفرضها وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدة أن اللغة فاعل ثقافي يعكس تحولات الوعي الاجتماعي، وأن أي خلل في الوعي اللغوي ينعكس مباشرة على وعي المجتمع بذاته.

واختتمت حديثها بالتأكيد على دور الأدب في حماية الهوية الوطنية، معتبرة إياه الحاضن الرمزي للذاكرة الجمعية، والجسر الذي يربط الفرد بجذوره الحضارية، ويُعيد صياغة علاقته بوطنه ومجتمعه. وأضافت أن الأدب هو المجال الأبرز الذي يمنح الهوية حضورها العالمي، مشيرة إلى أن الجوائز العربية والعالمية التي نالها كتّاب عُمانيون أسهمت في ترسيخ حضور سلطنة عُمان على خارطة الثقافة العالمية، وجعلت من الأدب جسرًا يصل بين الهوية المحلية والفضاء الإنساني الأوسع.

مجلة “الواحة العُمانية” تُصدر عددًا خاصًا بمناسبة الذكرى السادسة لتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم
زر الذهاب إلى الأعلى