فصاحة الشعر الشعبي في سلطنة عُمان: هويةٌ أدبية تتشكّل في فضاء لغويٍّ وسيط

مسقط في 2 فبراير 2026 /العُمانية/يُشكّل الشعر الشعبي في سلطنة عُمان أحد أبرز ملامح الهوية الثقافية، بوصفه فنًّا لصيقًا بحياة المجتمع، ومتجذرًا في بيئته الاجتماعية والجغرافية وتنوع لهجاته. وقد ظلّ، عبر عقود طويلة، وسيلة للتعبير عن اليوميّ الإنساني، وحافظًا للقيم والعادات، ووعاءً للحكمة والبطولة والغزل والرثاء، فضلًا عن دوره في صون اللهجات المحلية المتعددة.

غير أنّ النقاش حول فصاحة الشعر الشعبي، أو ما يُعرف اليوم باندماجه في سياقات لغوية أقرب إلى الفصحى، ظلّ حاضرًا بين الدارسين والمتلقين، بين من يرى فيه تطورًا مشروعًا يوسّع أفق التلقي، ومن يعدّه مساسًا بخصوصية اللهجة وعفوية التعبير.
في هذا السياق، يشير الشاعر والكاتب مسعود بن محمد الحمداني إلى أن غياب النقد المنهجي المتخصص أسهم في تباين مستويات الفصاحة والعمق الفني في الشعر الشعبي، لا سيما مع انتشاره الواسع عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. ويوضح أن القصيدة الشعبية انتقلت منذ منتصف القرن الماضي من فضاء الشفاهة إلى التدوين، متأثرة بانتشار التعليم والطباعة، ما أتاح للشاعر الشعبي مساحات أوسع للنشر، خصوصًا منذ سبعينات القرن العشرين، سواء في الصحف الخليجية أو في الصفحات المتخصصة بالصحافة العُمانية.
ويبيّن الحمداني أن هذا الانتشار دفع عددًا من الشعراء إلى تبنّي ما يُعرف بـ«اللغة البيضاء»، وهي لغة وسطى تمزج بين العامية والفصحى، بهدف توسيع دائرة الفهم والتلقي عربيًّا، خصوصًا في الفضاء الرقمي. غير أنّ هذا المزج – بحسب رأيه – أضعف أحيانًا خصوصية اللهجة المحلية، وأفقد القصيدة الشعبية بعض عفويتها وتلقائيتها، حين غالى بعض الشعراء في الاقتراب من الفصحى، فتحوّل النص إلى خطاب نخبوي بعيد عن المتلقي البسيط.

وفي المقابل، يرى أن هذا التوجه أسهم في توسيع القاعدة الجماهيرية للشعر الشعبي، وقربه من الفئات المثقفة، وردم الفجوة التاريخية بين الشعر الشعبي والفصيح، داعيًا إلى تحقيق توازن يحفظ اللهجة من الاندثار، ويصون هوية القصيدة بوصفها تعبيرًا عن الناس وبيئتهم.
من جانبه، يؤكد الدكتور علي بن سالم الحارثي أن مشهد الشعر الشعبي العُماني يتسم بتعدد مساراته، وهو ما يمنحه حيوية وقدرة على الجمع بين الأصالة والتجديد. ويرى أن الشعر الشعبي استطاع، في مجمله، أن يحافظ على فصاحته الموروثة مع الانفتاح على التحديث، من خلال نصوص تحمي التراث من الجمود، وتحمي التجديد من التفلت، مشيرًا إلى أن اللغة كائن حيّ يتأثر بتحولات المجتمع، دون أن يعني ذلك التفريط في نكهة اللهجة التي تحمل الذاكرة والهوية.
أما الشاعر أحمد بن مسلط السعدي، فيتناول قدرة الشعر الشعبي العُماني على تجاوز حدوده الجغرافية، مؤكدًا أن قوته تكمن في محليته القادرة على مخاطبة الآخر بأفق إنساني أوسع. ويشير إلى أن الانزياح اللهجي الحاد في بعض النصوص، بدعوى التحديث، قد أفضى إلى تمييع الهوية، في حين أن المعجم اللهجي العُماني غنيّ بما يتيح للشاعر كتابة نص حديث، عُماني الهوية، دون تقليد أو افتعال





