الأمن الغذائي الخليجي يبدأ من الدقم

خليل بن عبدالله بن محمد الخنجي **

الأمن الغذائي والمائي هاجس لدول كثيرة ومنها دول مجلس التَّعاون لدول الخليج العربية وهذا ليس بمستغرب بسبب شح الأمطار في هذه الدول ولكن الأزمة وصلت إلى الهند والصين وبلدان عديدة كثيفة السكان، منتجة للمواد الغذائية الأساسية للإنسان والحيوان، إلّا أن مفهوم الأمن الغذائي التقليدي أصبح من الماضي، وهناك مستجدات يجب على أصحاب القرار في دولنا الأخذ بها بكل جدية وذلك بسبب التطورات العلمية في تحقيق الأمن الغذائي العالمي.

كنَّا نتحدث ونتحاور في عُمان ولاحقًا على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي منذ العام 2007 وحتى 2020 جراء ارتفاع أسعار المواد الغذائية على مستوى العالم وانعكاساتها على دول المنطقة وكان السائد في حواراتنا هو كيف لنا أن تمتلك دولنا أراضي شاسعة في دول مثل السودان وروسيا وفيتنام والأرجنتين وغيرها من دول العالم لما لديها من أراضٍ تصلح لزراعة القمح والذرة والحبوب وتربية الماشية والأبقار بل حتى الجمال وغيرها من أنواع الحيوانات المتعددة وسبل استيرادها لدولنا وذلك لتأمين منافذ آمنة نمتلكها في الخارج ولكن ما أثبتته لنا السنوات الماضية: أن ما تنتجه أراضي غيرك لن يُؤمن غذاك، بل هي خدمة مجانية يستفيد منها أصحاب الأرض عند حدوث الأزمات.

إذن ما الجديد في الأمن الغذائي العالمي؟

منذ عام 2004 والعلم يبحث عن إنتاج لحوم الأبقار عن طريق زراعة الجينات الوراثية من لحم الأبقار وإنتاجها بكميات كبيرة من خلال المختبرات والمصانع الخاصة في كلٍ من الولايات المتحدة الأمريكية وسنغافورة وبعض الدول المتقدمة والمنفتحة علميًا على المستجدات الوراثية في علم الجينات وبالفعل تم في الآونة الأخيرة تمَّ اعتماد بيع تلك اللحوم في أرفف محلات البيع في كلٍ من سنغافورة أولًا وأمريكا لاحقًا وهذا ليس بجديد في العالم لأن العلم قد طور علم الجينات في إنتاج البذور وفسائل النباتات التي ساهمت في نمو القطاع الزراعي بشكل ملحوظ .

أحد المواد الأساسية التي يستهلكها المواطنون في دول المجلس والمقيمون بها هو الأرز وقد أثبتت التجارب العلمية في الصين التي تعاني شبح قلة المياه خلال العشر سنوات القادمة أنه بالإمكان زراعة الأرز على الأراضي المحاذية للبحار بل حتى على سطح مياه البحر شرط ألا تتعدى درجة ملوحة المياه 0.6، وبالفعل أجريت كثير من التجارب على هذا النوع من المنتج الذي سوف يسهم في زيادة منتجات الأمن الغذائي الأساسية.

بالنسبة للقمح تستطيع دول الخليج زراعته خاصةً في المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان ولكن هناك دول معروفة تنتجه بأسعار غير مكلفة وبكميات كبيرة جدًا مثل أستراليا وكندا وأمريكا والأرجنتين والبرازيل لما تملكه من أراضٍ شاسعة صالحة ومناسبة لزراعة الحبوب، وقد أجريت تجارب جينية على القمح وذلك لمضاعفة الإنتاج وذلك تلبيةً للطلب العالمي للحبوب وذلك لاستهلاكه من قبل الإنسان والحيوان على حدٍ سواء.

تعددت المنتجات الغذائية التي تصل إلى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية عبر المنافذ البرية والبحرية والجوية لتلبية طلبات المُقيمين على أرضها وهم أضعاف المواطنين الأصليين تستورد  في أوقات السلم والرخاء بكل سهولة ويسر، أما في أوقات الحروب التي قد تؤثر على بعض المنافذ البحرية والعوائق البرية كما حدث لبعض الدول أو حصار جوي لا سمح الله بالإضافة إلى ارتفاع أسعار النفط التي تنعكس سلبًا على أسعار المنتجات على اختلافها وخاصة المواد الغذائية الأساسية وهذا ما أثبتته تجاربنا السابقة لذلك وجب تأمين سلسلة الإمداد والتوريد لدول المجلس. وهذا لا يتأتى إلّا من خلال الأراضي والموانئ العُمانية المتعددة لكونها خارج مضيق هرمز ومنها المنطقة الاقتصادية الخاصة في الدقم بالدقم التي بإمكان القائمين على إدارتها توفير التسهيلات للمنتجين للصناعات التحويلية من المواد الغذائية المعلبة وصوامع الغلال لتخزين أنواع الحبوب والأرز والسكر وتقديم التسهيلات كذلك لمستثمري الاستزراع السمكي ومحاولة الاستفادة من تجارب الدول في زراعة الأرز على ضفاف بحر العرب في الدقم بموقعها الحيوي بعيدًا وخارج جميع المضائق البحرية شرط ربط الموانئ العُمانية كلها بشبكة نقل بري عبر بناء منظومة قطارات لنقل البضائع من الدقم وإلى جميع موانئ مجلس التعاون الخليجية.

** الرئيس الأسبق لغرفة تجارة وصناعة عُمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى