التوجيهات السامية ترسم خارطة وطنية لحماية القيم وتعزيز السلوك الإيجابي في الفضاء الرقمي

مسقط في 10 يناير 2026 /العُمانية/تُجسّد التوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظّم /حفظه الله ورعاه/ لمجلس الوزراء، بدراسة وتشخيص المتغيرات السلوكية في المجتمع، رؤيةً وطنيةً شاملة لصون القيم وتعزيز السلوك الإيجابي، عبر فهمٍ معمّق لتأثيرات التقنيات الحديثة، ووضع سياسات واضحة ومحوكمة لمعالجة الآثار السلبية لمنصات التواصل الاجتماعي، بما يحفظ تماسك المجتمع وهويته الوطنية.
وأكد عددٌ من المختصين والمعنيين لوكالة الأنباء العُمانية أنّ هذه التوجيهات تأتي استجابةً لحاجةٍ ملحّة في ظل التحولات التقنية المتسارعة، مشيرين إلى أنّ حوكمة السلوك الرقمي من شأنها تمكين المجتمع من مواجهة ظواهر سلبية، من بينها تراجع الروابط الأسرية وضعف حضور القدوات الإيجابية في الفضاء الإلكتروني.

وقال الباحث الاجتماعي مبارك بن خميس الحمداني إنّ التوجيهات السامية تنطلق من قراءةٍ واقعية لمجموعة عوامل متداخلة أفرزت ظواهر اجتماعية متنامية، مؤكّدًا أنّ المجتمع العُماني يمرّ بمرحلة تغيّر اجتماعي مهمّة، تتقاطع فيها عوامل الانفتاح الثقافي، والتحوّل إلى أنماط الاتصال الافتراضي، إلى جانب السياسات الحكومية الداعمة لمجتمع أكثر مشاركة في الإنتاج واستدامة الاقتصاد، وهو ما يستدعي سياسات اجتماعية موازية تحمي المجتمع خلال هذه المرحلة الانتقالية.
وأضاف أنّ فلسفة التنمية الوطنية تقوم على أنّ تحقيق النمو الاقتصادي والاستدامة المالية لا ينفصل عن وجود مجتمع متماسك ومستقر، قادر على التفاعل الإيجابي مع مسارات التنمية. ولفت إلى بروز ظواهر خلال العقد الماضي، من بينها التآكل النسبي في الروابط الاجتماعية، ولا سيما الأسرية، وتراجع مساحة الحوار داخل الأسرة، بما لذلك من أثر على نقل القيم وتصويب الاتجاهات وتعزيز السلوك الاجتماعي السليم.
وأشار إلى انحسار حضور القدوات الإيجابية المحلية مقابل تصاعد نماذج عالمية يصعب ضبط محتواها وقيمها، الأمر الذي قد يُربك معايير الأجيال الصاعدة ويُغيّر مفاهيمها حول الأسرة والنجاح والاستقرار. كما نبه إلى بروز بعض السلوكيات غير المنضبطة، كالتنمّر والتحرّش وتكوين الرفقة غير الصالحة، إضافة إلى ارتفاع بعض المشكلات الأسرية.
وأوضح أنّ ثنائية الاستعراض والمقارنة في الفضاء الرقمي أسهمت في إعادة تشكيل وعي الأفراد بذواتهم، ما أفرز ضغوطًا نفسية وتشوهًا في مفاهيم القبول والنجاح. وشدّد على أهمية بناء منظومة متكاملة للرصد الاجتماعي الاستباقي، مع تفعيل دور الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني في إبراز القدوات الحسنة، وسرد قصص النجاح القائمة على القيم الأصيلة، إلى جانب دور التعليم والمؤسسات الدينية في ترسيخ المحتوى القيمي بلغة معاصرة.

من جانبها، أكدت الدكتورة رقية بنت حميد الوهايبية، رئيسة قسم اللغة الإنجليزية بالكلية المهنية بصحم، أنّ التحولات السلوكية لم تعد عابرة، بل باتت ملموسة في لغة الناس وأنماط تفاعلهم اليومية، مشيرةً إلى أنّ السلوك أصبح قضية وعي قبل أن يكون قضية ضبط. وبيّنت أنّ التوجيه السامي جاء ليضع السلوك في صدارة أولويات الاستقرار الوطني.
وأوضحت أنّ مفهوم «القدوة» شهد تحولًا لافتًا بفعل منصات التواصل الاجتماعي، حيث انتقل من نموذج يُحتذى به في السلوك والمسؤولية إلى صورة رقمية سريعة التأثير، مؤكدةً أنّ معالجة هذا التحول تتطلب فهمًا عميقًا لاحتياجات الشباب للانتماء والاعتراف، لا الإقصاء أو التعميم.
وأضافت أنّ الواقع العُماني يزخر بنماذج حيّة للقدوة الإيجابية، تجلّت في مواقف وطنية راسخة، وخطابٍ متزنٍ في المنصات الرسمية، مؤكدةً أنّ ترجمة التوجيهات السامية إلى سياسات محوكمة تستلزم دعم المحتوى القيمي، وتأهيل المؤثرين، وإدماج التربية الإعلامية في التعليم، وبناء شراكات فاعلة في الفضاء الرقمي.

من جهته، أكد ناصر بن خلفان البادي، الواعظ الديني بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية، أنّ القيم الفاضلة تمثل صمّام الأمان وقوة المجتمع العُماني، وركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة، مشيرًا إلى أنّ الاهتمام بالجانب القيمي ينسجم مع مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، ولا سيما محور «مجتمع إنسانه مبدع».
وشدّد على أهمية تطوير خطاب ديني يجمع بين الثبات على المبادئ والتجديد في الوسائل، ومواكبة التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في تقديم المحتوى القيمي، إلى جانب تفعيل دور الأسرة والمجتمع، وتعزيز التكامل بين المؤسسات الدينية والقانونية والتربوية والإعلامية، عبر مبادرات مشتركة، من بينها إعداد دليل استرشادي للقيم العُمانية، ووضع خطة استراتيجية بمؤشرات أداء واضحة لصون القيم وتعزيز السلوك الإيجابي في المجتمع.





